ويستمد منهما مواد الحياة وطاقاتها . فهما مسخران بالناموس الكوني ليصدر عنهما ما يستخدمه هذا الإنسان في حياته ومعاشه بل في تركيب خلاياه وتجديدها .
« وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ »
. .
سخرهما كذلك وفق حاجة الإنسان وتركيبه ، وما يناسب نشاطه وراحته . ولو كان نهار دائم أو ليل دائم لفسد جهاز هذا الإنسان ؛ فضلا على فساد ما حوله كله ، وتعذر حياته ونشاطه وإنتاجه .
وليست هذه سوى الخطوط العريضة في صفحة الآلاء المديدة . ففي كل خط من النقط ما لا يحصى .
ومن ثم يضم إليها على وجه الإجمال المناسب للوحة المعروضة وللجو الشامل :
« وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ »
. .
من مال وذرية وصحة وزينة ومتاع . . .
« وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها »
. .
فهي أكبر وأكثر من أن يحصيها فريق من البشر ، أو كل البشر . وكلهم محدودون بين حدين من الزمان :
بدء ونهاية . وبين حدود من العلم تابعة لحدود الزمان والمكان . ونعم اللّه مطلقة - فوق كثرتها - فلا يحيط بها إدراك إنسان . .
وبعد ذلك كله تجعلون للّه أندادا ، وبعد ذلك كله لا تشكرون نعمة اللّه بل تبدلونها كفرا . .
« إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ »
! ! ! وحين يستيقظ ضمير الإنسان ، ويتطلع إلى الكون من حوله ، فإذا هو مسخر له ، إما مباشرة ، وإما بموافقة ناموسه لحياة البشر وحوائجهم ؛ ويتأمل فيما حوله فإذا هو صديق له برحمة اللّه ، معين بقدرة اللّه ، ذلول له بتسخير اللّه . . حين يستيقظ ضمير الإنسان فيتطلع ويتأمل ويتدبر . لا بد يرتجف ويخشع ويسجد ويشكر ، ويتطلع دائما إلى ربه المنعم : حين يكون في الشدة ليبدله منها يسرا ، وحين يكون في الرخاء ليحفظ عليه النعماء .
والنموذج الكامل للإنسان الذاكر الشاكر هو أبو الأنبياء . إبراهيم . الذي يظلل سمته هذه السورة ، كما تظللها النعمة وما يتعلق بها من شكران أو كفران . . ومن ثم يأتي به السياق في مشهد خاشع ، يظلله الشكر ، وتشيع فيه الضراعة ، ويتجاوب فيه الدعاء ، في نغمة رخية متموجة ، ذاهبة في السماء .
« وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ : رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً ، وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ . رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ ، فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي ؛ وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ . رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ ، رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ ، فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ، وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ . رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَما نُعْلِنُ ، وَما يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ . الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ ، إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ . رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ، رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ . رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ »
. .
إن السياق يصور إبراهيم - عليه السلام - إلى جوار بيت اللّه الذي بناه في البلد الذي آل إلى قريش ، فإذا بها تكفر فيه باللّه ، مرتكنة إلى البيت الذي بناه بانيه لعبادة اللّه ! فيصوره في هذا المشهد الضارع الخاشع