تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 2063

مساهمون:

ص٢٠٦٣
أفذلك كذلك ؟ ثم يجعلون للّه شركاء ؟ ! هنا يبدو تصرفهم مستنكرا مستغربا في ظل هذا المشهد الشاخص المرهوب .
« وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ »
. . اللّه القائم على كل نفس بما كسبت ، لا تفلت منه ولا تروغ . « قل : سموهم » ! فإنهم نكرات مجهولة . وقد تكون لهم أسماء . ولكن التعبير هنا ينزلهم منزلة النكرات التي لا تعرف أسماؤها . « أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض ؟ » . . يا للتهكم ! أم إنكم أنتم البشر تعلمون ما لا يعلمه اللّه ؟ فتعلمون أن هناك آلهة في الأرض ، وغاب هذا عن علم اللّه ؟ ! إنها دعوى لا يجرءون على تصورها . ومع هذا فهم يقولونها بلسان الحال ، حين يقول اللّه أن ليست هناك آلهة ، فيدعون وجودها وقد نفاه اللّه ! « أم بظاهر من القول ؟ » . تدعون وجودها بكلام سطحي ليس وراءه مدلول . وهل قضية الألوهية من التفاهة والهزل بحيث يتناولها الناس بظاهر من القول ؟ ! وينتهي هذا التهكم بالتقرير الجاد الفاصل :
« بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ . وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ »
. . فالمسألة إذن أن هؤلاء كفروا وستروا أدلة الإيمان عنهم وستروا نفوسهم عن دلائل الهدى ، فحقت عليهم سنة اللّه ، وصورت لهم نفوسهم أنهم على صواب ، وأن مكرهم وتدبيرهم ضد الدعوة حسن وجميل ، فصدهم هذا عن السبيل الواصل المستقيم . ومن تقتضي سنة اللّه ضلاله لأنه سار في طريق الضلال فلن يهديه أحد ، لأن سنة اللّه لا تتوقف إذا حقت بأسبابها على العباد . والنهاية الطبيعية لهذه القلوب المنتكسة هي العذاب :
« لَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا »
. إن أصابتهم قارعة فيها ، وإن حلت قريبا من دارهم فهو الرعب والقلق والتوقع . وإلا فجفاف القلب من بشاشة الإيمان عذاب ، وحيرة القلب بلا طمأنينة الإيمان عذاب . ومواجهة كل حادث بلا إدراك للحكمة الكبرى وراء الأحداث عذاب . . .
« وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ »
. . ويتركه هنا بلا تحديد للتصور والتخيل بلا حدود .
« وَما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ »
. يحميهم من أخذه ، ومن نكاله . فهم معرضون بلا وقاية لما ينزله بهم من عذاب . . وعلى الضفة الأخرى « المتقون » . . في مقابل
« وَما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ »
. المتقون الذين وقوا أنفسهم بالإيمان والصلاح فهم في مأمن من العذاب . بل لهم فوق الأمن الجنة التي وعدوها :
« مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها »
فهو المتاع والاسترواح - ومشهد الظل الدائم والثمر الدائم مشهد تطمئن له النفس وتستريح - في مقابل المشقة هناك :