تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 2062

مساهمون:

ص٢٠٦٢
خلقة الملائكة لو كان يريد . أو لقهرهم على الهدى بأمر قدري منه . . ولكن لم يرد هذا ولا ذاك . لأنه خلق هذا الإنسان لمهمة خاصة يعلم سبحانه أنها تقتضي خلقته على هذا النحو الذي كان . فليدعوهم إذن لأمر اللّه . وإذا كان اللّه قد قدر ألا يهلكهم هلاك استئصال في جيل كبعض الأقوام قبلهم ، فإن قارعة من عنده بعد قارعة تنزل بهم فتصيبهم بالضر والكرب ، وتهلك من كتب عليه منهم الهلاك . « أو تحل قريبا من دارهم » . . فتروعهم وتدعهم في قلق وانتظار لمثلها ؛ وقد تلين بعض القلوب وتحركها وتحييها . « حتى يأتي وعد اللّه » . . الذي أعطاهم إياه ، وأمهلهم إلى انتهاء أجله :
« إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ »
. . فهو آت لا ريب فيه ، فملاقون فيه ما وعدوه . والأمثلة حاضرة ، وفي مصارع الغابرين عبرة ، بعد الإنظار والإمهال :
« وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ ، فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ ، فَكَيْفَ كانَ عِقابِ ؟ »
. وهو سؤال لا يحتاج إلى جواب . فلقد كان عقابا تتحدث به الأجيال ! ! ! والقضية الثانية هي قضية الشركاء . وقد أثيرت في الشطر الأول من السورة كذلك . وهي تثار هنا في سؤال تهكمي حين تقرن هذه الشركاء إلى اللّه القائم على كل نفس ، المجازي لها بما كسبت في الحياة . وتنتهي هذه الجولة بتصوير العذاب الذي ينتظر المفترين لهذه الفرية في الدنيا والعذاب الأشق في الآخرة . وفي مقابلة ما ينتظر المتقين من أمن وسلام ! « أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت ؟ وجعلوا للّه شركاء . قل : سموهم . أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض ؟ أم بظاهر من القول ؟ بل زين للذين كفروا مكرهم ، وصدوا عن السبيل ، ومن يضلل اللّه فما له من هاد . لهم عذاب في الحياة الدنيا ، ولعذاب الآخرة أشق ، وما لهم من اللّه من واق . .
« مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها . تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا . وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النَّارُ »
. . واللّه سبحانه رقيب على كل نفس ، مسيطر عليها في كل حال ، عالم بما كسبت في السر والجهر . ولكن التعبير القرآني المصوّر يشخص الرقابة والسيطرة والعلم في صورة حسية - على طريقة القرآن - صورة ترتعد لها الفرائص :
« أَ فَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ »
. . فلتتصور كل نفس أن عليها حارسا قائما عليها مشرفا مراقبا يحاسبها بما كسبت . ومن ؟ إنه اللّه ! فأية نفس لا ترتعد لهذه الصورة وهي في ذاتها حق ، إنما يجسمها التعبير للإدراك البشري الذي يتأثر بالحسيات أكثر مما يتأثر بالتجريديات .