تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1822

مساهمون:

ص١٨٢٢
وفق سنته الماضية التي بيناها . فلا تصل إلى الإيمان وقد سارت في الطريق الآخر الذي لا يؤدي إليه . لا أنها تريد الإيمان وتسلك طريقه ثم تمنع عنه ، فهذا ليس المقصود بالنص . بل المقصود أنها لا تصل إلى الإيمان إلا إذا سارت وفق إذن اللّه وسنته في الوصول إليه من طريقه المرسوم بالسنة العامة . وعندئذ يهديها اللّه ويقع لها الإيمان بإذنه . فلا شيء يتم وقوعه إلا بقدر خاص به . إنما الناس يسيرون في الطريق . فيقدر اللّه لهم عاقبة الطريق ، ويوقعها بالفعل جزاء ما جاهدوا في اللّه ليهتدوا . . ويدل على هذا عقب الآية :
« وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ »
. . فالذين عطلوا عقولهم عن التدبر ، يجعل الرجس عليهم . والرجس أبشع الدنس الروحي ، فهؤلاء ينالهم ذلك الرجس بسبب تعطيلهم لمداركهم عن التعقل والتدبر ، وانتهاؤهم بهذا إلى التكذيب والكفران . ويزيد الأمر إيضاحا بأن الآيات والنذر لا تغني عن الذين لا يؤمنون ؛ لأنهم لا يتدبرونها وهي معروضة أمامهم في السماوات والأرض :
« قُلِ : انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ . وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ »
. . وسواء كان عقب الآية استفهاما أو تقريرا . فمؤداه واحد . فإن ما في السماوات والأرض حافل بالآيات ؛ ولكن الآيات والنذر لا تفيد الذين لا يؤمنون ، لأنهم من قبل لم يلقوا بالا إليها ، ولم يتدبروها . . وقبل أن نمضي إلى نهاية الشوط نقف لحظة أمام قوله تعالى :
« قُلِ : انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ . وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ »
. . إن المخاطبين بهذا القرآن أول مرة ، لم يكن لديهم من المعرفة العلمية بما في السماوات والأرض إلا القليل . ولكن الحقيقة الواقعة التي أشرنا إليها مرارا ، هي أن بين الفطرة البشرية وبين هذا الكون الذي نعيش فيه لغة خفية غنية ! وأن هذه الفطرة تسمع لهذا الكون - حين تتفتح وتستيقظ - وتسمع منه الكثير ! والمنهج القرآني في تكوين التصور الإسلامي في الإدراك البشري يتكئ على ما في السماوات والأرض ، ويستلهم هذا الكون ؛ ويوجه إليه النظر والسمع والقلب والعقل . . وذلك دون أن يخل بطبيعة التناسق والتوازن فيه ؛ ودون أن يجعل من هذا الكون إلها يؤثر في الإنسان أثر اللّه ! كما يجدف بذلك الماديون المطموسون ، ويسمون ذلك التجديف مذهبا « علميا » يقيمون عليه نظاما اجتماعيا يسمونه : « الاشتراكية العلمية » والعلم الصحيح من ذلك التجديف كله بريء ! والنظر إلى ما في السماوات والأرض يمد القلب والعقل بزاد من المشاعر والتأملات ؛ وزاد من الاستجابات والتأثرات ؛ وزاد من سعة الشعور بالوجود ؛ وزاد من التعاطف مع هذا الوجود . . وذلك كله في الطريق إلى امتلاء الكينونة البشرية بالإيقاعات الكونية الموحية بوجود اللّه ، وبجلال اللّه ، وبتدبير اللّه ، وبسلطان اللّه ، وبحكمة اللّه ، وعلم اللّه . . . ويمضي الزمن ، وتنمو معارف الإنسان العلمية عن هذا الكون ، فإن كان هذا الإنسان مهتديا بنور اللّه إلى جوار هذه المعارف العلمية ، زادته هذه المعارف من الزاد الذي تحصله الكينونة البشرية من التأمل في هذا الكون ، والأنس به ، والتعرف عليه ، والتجاوب معه ، والاشتراك معه في تسبيحه بحمد اللّه :
« وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ، وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ »
. . ولا يفقه تسبيح كل شيء بحمد اللّه إلا الموصول قلبه