تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1766

مساهمون:

ص١٧٦٦
للمطالع والمغارب ، فيقف في الشروق وفي الغروب وقفة الإنسان الجديد في هذا الكون ، يتطلع إلى كل ظاهرة جديدة فيه بعين مفتوحة وحس مستجيب . وهي هي اللحظات التي يحياها الإنسان حياة كاملة حقيقية ، وينفض فيها التيبس الذي خلفته الألفة في أجهزة الاستقبال والاستجابة . .
« وَما خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ »
. . ولو وقف الإنسان لحظة واحدة يرقب
« ما خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ »
ويستعرض هذا الحشد الذي لا يحصى من الأنواع والأجناس ، والهيئات والأحوال ، والأوضاع والأشكال . لو وقف لحظة واحدة لامتلأ وطابه وفاض بما يغنيه حياته كلها ، ويشغله بالتدبر والتفكر والتأثر ما عاش . . ودع خلق السماوات والأرض وإنشاءهما وتكوينهما على هذا النحو العجيب ، فذلك ما يوجه إليه القلب بالإشارة السريعة ، ثم يتركه ليتملاه . . إن في ذلك كله :
« لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ »
. . تستشعر قلوبهم هذا الوجدان الخاص . وجدان التقوى . الذي يدع هذه القلوب مستجاشة حساسة ، سريعة التأثر والاستجابة لمجالي القدرة ومظاهر الإبداع ومعجزات الخلق المعروضة للأنظار والأسماع . هذا هو منهج القرآن في مخاطبة الفطرة البشرية بآيات اللّه الكونية ، المبثوثة حول الإنسان في هذا الكون ؛ والتي يعلم اللّه سبحانه أن بينها وبين فطرة الكائن البشري لغة مفهومة ، وإيحاءات مسموعة ! ولم يلجأ المنهج القرآني إلى الأسلوب الجدلي الذي جد فيما بعد عند المتكلمين والفلاسفة ؛ لأن اللّه يعلم أن هذا الأسلوب لا يصل إلى القلوب ولا يتجاوز منطقة الذهن الباردة التي لا تدفع إلى حركة ؛ ولا تؤدي إلى بناء حياة ؛ وقصارى ما تنتهي إليه حركة في الذهن البارد تتلاشى في الهواء ! ولكن الأدلة التي يقدمها المنهج القرآني - بأسلوبه هذا - هي أقوى الأدلة المقنعة للقلب والعقل جميعا - وهذه ميزتها - فإن وجود هذا الكون ذاته أولا . ثم حركته المنتظمة المتسقة المضبوطة ؛ وما يقع فيه من تحولات وتغيرات تضبطها قوانين واضحة الأثر - حتى قبل أن يعرفها البشر - ثانيا . . إن هذا كله لا يمكن تفسيره بغير تصور قوة مدبرة . . والذين يمارون في هذه الحقيقة لا يقدمون في مكانها دليلا معقولا . ولا يزيدون على أن يقولوا : إن الكون وجد هكذا بقوانينه ؛ وأن وجوده لا يحتاج إلى تعليل ؛ ووجوده يتضمن قوانينه ! فإن كان هذا كلاما مفهوما - أو معقولا - فذاك ! ولقد كان هذا الكلام يقال للهروب من اللّه في أوروبا ؛ لأن الهروب من الكنيسة اقتضاهم هنالك الهروب من اللّه ! ثم أصبح يقال هنا وهناك ، لأنه الوسيلة إلى التخلص من مقتضى الاعتراف بألوهية اللّه . ذلك أن مشركي الجاهليات القديمة كان معظمهم يعترف بوجود اللّه . ثم يماري في ربوبيته ، على نحو ما رأينا في الجاهلية العربية التي واجهها هذا القرآن أول مرة . فلقد كان البرهان القرآني يحاصرهم بمنطقهم هم وعقيدتهم في وجود اللّه سبحانه وصفاته . ويطالبهم بمقتضى هذا المنطق ذاته أن يجعلوا اللّه وحده ربهم ؛ فيدينوا له وحده بالاتباع والطاعة في الشعائر والشرائع . . فأما جاهلية القرن العشرين فتريد أن تخلص من ثقل هذا المنطق بالهروب من الألوهية ذاتها ابتداء !