تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1763

مساهمون:

ص١٧٦٣
والمكان . لذلك نجزم بأن « ثم » هنا للبعد المعنوي ، ونحن آمنون من أننا لم نتجاوز المنطقة المأمونة التي يحق فيها للعقل البشري أن يحكم ويجزم . لأننا نستند إلى قاعدة كلية في تنزيه اللّه سبحانه عن تعاقب الهيئات والحالات ، وعن مقتضيات الزمان والمكان .
« يُدَبِّرُ الْأَمْرَ »
. . ويقدر أوائله وأواخره ، وينسق أحواله ومقتضياته ، ويرتب مقدماته ونتائجه ، ويختار الناموس الذي يحكم خطواته وأطواره ومصائره .
« ما مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ »
. . فالأمر كله له ، والحكم كله إليه . وما من شفعاء يقربون إلى اللّه زلفى . وما من شفيع من خلقه إلا حيث يأذن له بالشفاعة ، وفقا لتدبيره وتقديره ، واستحقاق الشفاعة بالإيمان والعمل الصالح ، لا بمجرد التوسل بالشفعاء . . وهذا يواجه ما كانوا يعتقدونه من أن للملائكة التي يعبدون تماثيلها شفاعة لا ترد عند اللّه ! ذلكم اللّه الخالق المدبر الحاكم الذي لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه . .
« ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ »
. . الخليق بالربوبية
« فَاعْبُدُوهُ »
فهو الذي يستحق الدينونة له دون سواه . .
« أَ فَلا تَذَكَّرُونَ »
؟ . . فالأمر من الثبوت والوضوح بحيث لا يحتاج إلا لمجرد التذكر لهذه الحقيقة المعروفة . . ونقف لحظة أمام قوله تعالى بعد عرض دلائل الألوهية في السماوات والأرض :
« ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ »
. . وقد قلنا : إن قضية الألوهية لم تكن محل إنكار جدي من المشركين ، فقد كانوا يعترفون بأن اللّه - سبحانه - هو الخالق الرازق المحيي المميت المدبر المتصرف القادر على كل شيء . . ولكن هذا الاعتراف لم تكن تتبعه مقتضياته . فلقد كان من مقتضى هذا الاعتراف بألوهية اللّه على هذا المستوي أن تكون الربوبية له وحده في حياتهم . . والربوبية تتمثل في الدينونة له وحده ؛ فلا يتقدمون بالشعائر التعبدية إلا له ؛ ولا يحكمون في أمرهم كله غيره . . وهذا معنى قوله تعالى :
« ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ »
. . فالعبادة هي العبودية ، وهي الدينونة ، وهي الاتباع والطاعة ، مع إفراد اللّه سبحانه بهذه الخصائص كلها ، لأنها من مقتضيات الاعتراف بالألوهية . وفي الجاهليات كلها ينحسر مجال الألوهية . ويظن الناس أن الاعتراف بالألوهية في ذاته هو الإيمان ؛ وأنه متى اعترف الناس بأن اللّه إلههم فقد بلغوا الغاية ؛ دون أن يرتبوا على الألوهية مقتضاها وهو الربوبية . . أي الدينونة للّه وحده ليكون هو ربهم الذي لا رب غيره ، وحاكمهم الذي لا سلطان لأحد إلا بسلطانه . . كذلك ينحسر معنى « العبادة » في الجاهلية ، حتى يقتصر على مجرد تقديم الشعائر . ويحسب الناس أنهم متى قدموا الشعائر للّه وحده ، فقد عبدوا اللّه وحده . . بينما كلمة العبادة ابتداء مشتقة من عبد . و « عبد » تفيد ابتداء « دان وخضع » . وما الشعائر إلا مظهر واحد من مظاهر الدينونة والخضوع لا يستغرق كل حقيقة الدينونة ولا كل مظاهرها . والجاهلية ليست فترة من الزمان ، ولا مرحلة من المراحل . إنما هي انحسار معنى الألوهية على هذا النحو ، ومعنى العبادة . هذا الانحسار الذي يؤدي بالناس إلى الشرك وهم يحسبون أنهم في دين اللّه ! كما هو الحال