تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1753

مساهمون:

ص١٧٥٣
وهكذا نجد الترابط بكل ألوانه في سياق السورة من مطلعها إلى ختامها ، مما يجعلها وحدة متكاملة متشابكة كما أسلفنا . وواضح من المقتطفات التي سبقت من نصوص السورة - في هذا التقديم - أن القضية الأساسية التي يتكئ عليها السياق كله هي قضية الألوهية والعبودية ، وتجلية حقيقتهما ، وبيان مقتضيات هذه الحقيقة في حياة الناس . أما سائر القضايا الأخرى التي تعرضت لها السورة كقضية الوحي ، وقضية الآخرة ، وقضية الرسالات السابقة . . فقد جاءت في صدد إيضاح تلك الحقيقة الكبرى وتعميقها وتوسيع مدلولها ؛ وبيان مقتضياتها في حياة البشر واعتقادهم وعبادتهم وعملهم . والواقع أن تلك القضية الكبرى هي قضية القرآن كله ، وقضية القرآن المكي بصفة خاصة . فتعريف الألوهية الحقة ؛ وبيان خصائصها من الربوبية والقوامة والحاكمية ؛ وتعريف العبودية وحدودها التي لا تتعداها ؛ والوصول من هذا كله إلى تعبيد الناس لإلههم الحق ؛ واعترافهم بالربوبية والقوامة والحاكمية له وحده . . هذا هو الموضوع الرئيسي للقرآن كله . . وما وراءه إن هو إلا بيان لمقتضيات هذه الحقيقة الكبيرة في حياة البشر بكل جوانبها . وهذه الحقيقة الكبيرة تستحق - عند التأمل العميق - كل هذا البيان الذي هو موضوع هذا القرآن . . تستحق أن يرسل اللّه من أجلها رسله جميعا ، وأن ينزل بها كتبه جميعا :
« وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ »
. . إن حياة البشر في الأرض لا تستقيم إلا إذا استقامت هذه الحقيقة في اعتقادهم وتصورهم ، واستقامت كذلك في حياتهم وواقعهم . لا تستقيم أولا إزاء هذا الكون الذي يعيشون فيه ، ويتعاملون مع أشيائه وأحيائه . . وهم حين يضطرب تصورهم لحقيقة الألوهية وحقيقة العبودية يروحون يؤلهون الأشياء والأحياء - بل يؤلهون الأشباح والأوهام ! - ويعبدون أنفسهم لها في صور مضحكة ، ولكنها بائسة ! ، ويقدمون لها - بوحي من الكهان والمنتفعين بأوهام العوام في كل زمان وفي كل مكان - خلاصة كدهم من الرزق الذي أعطاهم اللّه . بل إنهم ليقدمون لها فلذات أكبادهم كما يقدمون لها أرواحهم في بعض الأحيان . . وهي أشياء وأحياء لا حول لها ولا قوة ، ولا تملك لهم ضرا ولا نفعا . . وتضطرب حياتهم كلها ، وهم يعيشون بين الهلع والجزع من هذه الأشياء والأحياء ؛ وبين التقرب والزلفى لمخلوقات مثلهم ، عبوديتها للّه كعبوديتهم . . وذلك كما قال اللّه تعالى عنهم :
« وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً . فَقالُوا : هذا لِلَّهِ - بِزَعْمِهِمْ - وَهذا لِشُرَكائِنا ! فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ ، وَما كانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ ! ساءَ ما يَحْكُمُونَ ! وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ - وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ - وَقالُوا : هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إِلَّا مَنْ نَشاءُ - بِزَعْمِهِمْ - وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها ، وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِراءً عَلَيْهِ ! - سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ - وَقالُوا : ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا ، وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ ! سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ - قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ ، وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِراءً عَلَى اللَّهِ ، قَدْ ضَلُّوا وَما كانُوا مُهْتَدِينَ
« 1 »
»
.
هامش
( 1 ) يراجع تفسير هذه الآيات من سورة الأنعام ص 1213 - 1228 من الجزء الثامن .
في ظلال القرآن — صفحة 1753 | سيد قطب