تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1737

مساهمون:

ص١٧٣٧
وتدرك أسرار القيادة الربانية التي كفلت لها النصر والعز والتمكين . ونقف مرة أخرى أمام قوله تعالى :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ »
. . فنجد أمرا بقتال الذين يلون المسلمين من الكفار . لا يذكر فيه أن يكونوا معتدين على المسلمين ولا على ديارهم . . وندرك أن هذا هو الأمر الأخير ، الذي يجعل « الانطلاق » بهذا الدين هو الأصل الذي ينبثق منه مبدأ الجهاد ، وليس هو مجرد « الدفاع » كما كانت الأحكام المرحلية أول العهد بإقامة الدولة المسلمة في المدينة . ويريد بعض الذين يتحدثون اليوم عن العلاقات الدولية في الإسلام ، وعن أحكام الجهاد في الإسلام ، وبعض الذين يتعرضون لتفسير آيات الجهاد في القرآن . . أن يتلمسوا لهذا النص النهائي الأخير قيدا من النصوص المرحلية السابقة ؛ فيقيدوه بوقوع الاعتداء أو خوف الاعتداء ! والنص القرآني بذاته مطلق ، وهو النص الأخير ! وقد عودنا البيان القرآني عند إيراد الأحكام ، أن يكون دقيقا في كل موضع ؛ وألا يحيل في موضع على موضع ؛ بل يتخير اللفظ المحدد ؛ ويسجل التحفظات والاستثناءات والقيود والتخصيصات في ذات النص . إن كان هناك تحفظ أو استثناء أو تقييد أو تخصيص . ولقد سبق لنا في تقديم السورة في الجزء العاشر ، وفي تقديم آيات القتال مع المشركين والقتال مع أهل الكتاب ، أن فصلنا القول في دلالة النصوص والأحكام المرحلية والنصوص والأحكام النهائية على طبيعة المنهج الحركي للإسلام فحسبنا ما ذكرناه هناك « 1 » . إلا أن الذين يكتبون اليوم عن العلاقات الدولية في الإسلام ، وعن أحكام الجهاد في الإسلام ، والذين يتصدون لتفسير الآيات المتضمنة لهذه الأحكام ، يتعاظمهم ويهولهم أن تكون هذه هي أحكام الإسلام ! وأن يكون اللّه - سبحانه - قد أمر الذين آمنوا أن يقاتلوا الذين يلونهم من الكفار ، وأن يظلوا يقاتلون من يلونهم من الكفار ، كلما وجد هناك من يلونهم من الكفار ! . . يتعاظمهم ويهولهم أن يكون الأمر الإلهي هكذا ، فيروحون يتلمسون القيود للنصوص المطلقة ؛ ويجدون هذه القيود في النصوص المرحلية السابقة ! إننا نعرف لما ذا يهولهم هذا الأمر ويتعاظمهم على هذا النحو . . إنهم ينسون أن الجهاد في الإسلام جهاد في « سبيل اللّه » . . جهاد لتقرير ألوهية اللّه في الأرض وطرد الطواغيت المغتصبة لسلطان اللّه . . جهاد لتحرير « الإنسان » من العبودية لغير اللّه ، ومن فتنته بالقوة عن الدينونة للّه وحده والانطلاق من العبودية للعباد . .
« حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ »
. . وأنه ليس جهادا لتغليب مذهب بشري على مذهب بشري مثله . إنما هو جهاد لتغليب منهج اللّه على مناهج العبيد ! وليس جهادا لتغليب سلطان قوم على سلطان قوم ، إنما هو جهاد لتغليب سلطان اللّه على سلطان العبيد ! وليس جهادا لإقامة مملكة لعبد ، إنما هو جهاد لإقامة مملكة اللّه في الأرض . . ومن ثم ينبغي له أن ينطلق في « الأرض » كلها ، لتحرير « الإنسان » كله . بلا تفرقة بين ما هو داخل في حدود الإسلام وبين ما هو خارج عنها . . فكلها « أرض » يسكنها « الإنسان » وكلها فيها طواغيت تعبد العباد للعباد ! وحين ينسون هذه الحقيقة يهولهم طبعا أن ينطلق منهج ليكتسح كل المناهج ، وأن تنطلق أمة لتخضع سائر الأمم . . إنها في هذا الوضع لا تستساغ ! وهي فعلا لا تستساغ ! . . لولا أن الأمر ليس كذلك . وليس له
هامش
( 1 ) ص 1564 - 1583 وص 1586 - 1598 وص 1606 - 1609 وص 1620 - 1630 من الجزء العاشر .