تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1708

مساهمون:

ص١٧٠٨
حركة ، ويربي أمة ، وينشئ نظاما ، قد رأى الأخذ بالحزم في أمرهم حتى يأتيه أمر من ربه في شأنهم . . قال ابن جرير : حدثني محمد بن سعد قال : حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال : حدثني أبي عن أبيه ، عن ابن عباس قال : لما أطلق رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - أبا لبابة وصاحبيه « 1 » ، انطلق أبو لبابة وصاحباه بأموالهم ، فأتوا بها رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فقالوا : خذ من أموالنا فتصدق بها عنا وصل علينا . . يقولون : استغفر لنا . . وطهرنا . فقال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - لا آخذ منها شيئا حتى أومر . فأنزل اللّه :
« خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها ، وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ »
. يقول : استغفر لهم من ذنوبهم التي كانوا أصابوا . فلما نزلت الآية أخذ رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - جزءا من أموالهم ، فتصدق به عنهم » . وهكذا منّ اللّه عليهم لما علمه سبحانه من حسن سريرتهم ، وصدق توبتهم ، فأمر رسوله - صلى اللّه عليه وسلم - أن يأخذ بعض أموالهم يتصدق بها عنهم ، وأن يصلي عليهم - أي يدعو لهم ، فالأصل في الصلاة الدعاء - ذلك أن أخذ الصدقة منهم يرد إليهم شعورهم بعضويتهم الكاملة في الجماعة المسلمة ، فهم يشاركون في واجباتها ، وينهضون بأعبائها ، وهم لم ينبذوا منها ولم ينبتوا عنها ؛ وفي تطوعهم بهذه الصدقات تطهير لهم وتزكية ، وفي دعاء الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - لهم طمأنينة وسكن .
« وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ »
. . يسمع الدعاء ، ويعلم ما في القلوب . ويقضي بما يسمعه ويعلمه قضاء السميع العليم . وهو وحده الذي يقضي في شأن العباد ، فيقبل منهم توبتهم ويأخذ منهم صدقاتهم ، ورسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ينفذ ما يأمره به ربه ، ولا ينشئ شيئا من هذا من عنده . . وتقريرا لهذه الحقيقة يقول تعالى في الآية التالية :
« أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ ، وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ؟ »
. وهو استفهام تقريري يفيد : فليعلموا أن اللّه هو يقبل التوبة ؛ واللّه هو يأخذ الصدقة ، واللّه هو يتوب ويرحم عباده . . وليس شيء من هذا لأحد غيره سبحانه . . « وأن نبي اللّه حين أبي أن يطلق من ربط نفسه بالسواري من المتخلفين عن الغزو معه ؛ وحين ترك قبول صدقتهم بعد أن أطلق اللّه عنهم حين أذن له في ذلك ، إنما فعل ذلك من أجل أن ذلك لم يكن إليه - صلى اللّه عليه وسلم - وأن ذلك إلى اللّه تعالى ذكره دون محمد . وأن محمدا إنما يفعل ما يفعل من ترك وإطلاق وأخذ صدقة وغير ذلك من أفعاله بأمر اللّه » . . كما يقول ابن جرير . . وفي النهاية يتوجه الحديث إلى المتخلفين التائبين :
« وَقُلِ : اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ، وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ »
. . ذلك أن المنهج الإسلامي منهج عقيدة وعمل يصدق العقيدة . فمحك الصدق في توبتهم إذن هو العمل الظاهر ، يراه اللّه ورسوله والمؤمنون . فأما في الآخرة فمردهم إلى عالم الغيب والشهادة الذي يعلم فعل الجوارح وكوامن الصدور .
هامش
( 1 ) في رواية أنهم ثلاثة ، وفي رواية أنهم سبعة ، وفي رواية أنهم عشرة ، وأن ثلاثة منهم لم يربطوا أنفسهم .