تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1707

مساهمون:

ص١٧٠٧
عبيد بن سلمان قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : « وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا » . نزلت في أبي لبابة وأصحابه ، تخلفوا عن نبي اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - في غزوة تبوك . فلما قفل رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - من غزوته ، وكان قريبا من المدينة ، ندموا على تخلفهم عن رسول اللّه ، وقالوا : نكون في الظلال والأطعمة والنساء ، ونبي اللّه في الجهاد واللأواء ! واللّه لنوثقن أنفسنا بالسواري ، ثم لا نطلقها حتى يكون نبي اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - يطلقنا ويعذرنا ! وأوثقوا أنفسهم ، وبقي ثلاثة لم يوثقوا أنفسهم بالسواري . فقدم رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - من غزوته ، فمر في المسجد ، وكان طريقه ، فأبصرهم ! فسأل عنهم ، فقيل له : أبو لبابة وأصحابه ، تخلفوا عنك ، يا نبي اللّه ، فصنعوا بأنفسهم ما ترى ، وعاهدوا اللّه ألا يطلقوا أنفسهم حتى تكون أنت الذي تطلقهم ! فقال نبي اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - لا أطلقهم حتى أومر بإطلاقهم ، ولا أعذرهم حتى يعذرهم اللّه ، قد رغبوا بأنفسهم عن غزوة المسلمين ! فأنزل اللّه :
« وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ »
إلى
« عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ »
و
« عَسَى »
من اللّه واجب . . فأطلقهم نبي اللّه وعذرهم . ووردت روايات متعددة أخرى منها : أنها في أبي لبابة وحده لما وقع في غزوة بني قريظة من تنبيههم لما يراد بهم ، وأنه الذبح ، بالإشارة إلى عنقه ! ولكن هذا مستبعد فأين هذه الآيات مما وقع في بني قريظة ! كذلك ورد أنها في الأعراب . . وقد عقب ابن جرير على هذه الروايات كلها بقوله : « وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك ، قول من قال : نزلت هذه الآية في المعترفين بخطإ فعلهم في تخلفهم عن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وتركهم الجهاد معه ، والخروج لغزو الروم ، حين شخص إلى تبوك ، وأن الذين نزل ذلك فيهم جماعة ، أحدهم أبو لبابة . « وإنما قلنا : ذلك أولى بالصواب في ذلك ، لأن اللّه جل ثناؤه قال :
« وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ »
. . فأخبر عن اعتراف جماعة بذنوبهم ، ولم يكن المعترف بذنبه ، الموثق نفسه بالسارية في حصار قريظة ، غير أبي لبابة وحده . فإذا كان ذلك كذلك ، وكان اللّه تبارك وتعالى قد وصف في قوله :
« وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ »
بالاعتراف بذنوبهم جماعة ، علم أن الجماعة الذين وصفهم بذلك ليست بالواحد ، فقد تبين بذلك أن هذه الصفة إذ لم تكن إلا لجماعة ، وكان لا جماعة فعلت ذلك - فيما نقله أهل السير والأخبار وأجمع عليه أهل التأويل - إلا جماعة من المتخلفين عن غزوة تبوك ، صح ما قلنا في ذلك ، وقلنا : « كان منهم أبو لبابة » لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك » . . ولما ذكر اللّه - سبحانه - صفة هذه الجماعة من الناس المتخلفين المعتذرين التائبين عقب عليها بقوله :
« عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ، إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ »
. . وكما قال ابن جرير : « وعسى من اللّه واجب » . . فهو رجاء من يملك إجابة الرجاء سبحانه ! والاعتراف بالذنب على هذا النحو ، والشعور بوطأته ، دليل حياة القلب وحساسيته ، ومن ثم فالتوبة مرجوة القبول ، والمغفرة مرتقبة من الغفور الرحيم . . وقد قبل اللّه توبتهم وغفر لهم . . ثم قال اللّه لنبيه - صلى اللّه عليه وسلم - :
« خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها ، وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ، وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ »
. . ولقد كانت تلك الحساسية التي بعثت الندم والتوبة في تلك القلوب ، جديرة بالطمأنينة ، حقيقة بالعطف الذي يسكب فيها الأمل ، ويفتح لها أبواب الرجاء . . وإن كان رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وهو يقود