يصاحب هذا الكشف تحذير الخلص من المؤمنين من كيد المنافقين ، وتحديد العلاقات بين هؤلاء وهؤلاء ، والمفاصلة بين الفريقين ، وتمييز كل منهما بصفاته وأعماله . . .
وهذه المقاطع الأربعة قد سيقت بجملتها في الجزء العاشر . . إلا بقية في الحديث عن المتخلفين ، وعن حدود التبعة في التخلف عن الجهاد . .
ولقد كانت آخر آية في الجزء العاشر هي قوله تعالى :
« لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى ، وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ ، حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ . ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ ، وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ . وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ : لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ »
. .
أما التكملة التي يبدأ بها هذا الجزء فهي قوله تعالى :
« إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِياءُ ، رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ ، وَطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ ، فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ . يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ . قُلْ لا تَعْتَذِرُوا ، لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ ، قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ ، وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ، ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ . سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ ؛ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ ، وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ ، فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ »
. .
وقد كان هذا من إنباء اللّه - سبحانه - لنبيه - صلى اللّه عليه وسلم - عما سيكون من حال المنافقين المتخلفين وأعذارهم إذا رجع من الغزوة سالما هو ومن معه من المسلمين الخلص ؛ وتوجيه له ولهم إلى ما يجب أن يجيبوهم به ، وما يجب أن يعاملوهم به كذلك .
بعد ذلك يجيء المقطع الخامس في السورة وهو يتولى تصنيف المجتمع المسلم بجملته في هذه الفترة - من الفتح إلى تبوك - ومنه نعلم - كما قلنا في تقديم السورة - أنه كان إلى جواز السابقين المخلصين من المهاجرين والأنصار - وهم الذين كانوا يؤلفون قاعدة المجتمع المسلم الصلبة القوية - جماعات أخرى . . الأعراب ، وفيهم المخلصون والمنافقون . والمنافقون من أهل المدينة ، وآخرون خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ولم يتم انطباعهم بالطابع الإسلامي ، ولم يصهروا في بوتقة الإسلام تماما . وطائفة مجهولة الحال لا تعرف حقيقة مصيرها ، متروك أمرها للّه وفق ما يعلمه من حقيقة حالها ومآلها . ومتآمرون يتسترون باسم الإسلام ، ويدبرون المكائد ، ويتصلون بأعداء الإسلام في الخارج . . والنصوص القرآنية تتحدث عن هذه الجماعات كلها في اختصار مفيد ؛ وتقرر كيف تعامل في المجتمع المسلم ؛ وتوجه رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - والخلص من المسلمين إلى طريقة التعامل مع كل منهم في مثل هذه النصوص :
« الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ . وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ . وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَماً ، وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ . عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ ، وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ . وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَواتِ الرَّسُولِ . أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ ، سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ ، إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ »
. .
« وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ،