تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1620

مساهمون:

ص١٦٢٠
هذا المقطع الثاني في سياق السورة ؛ يستهدف تقرير الأحكام النهائية في العلاقات بين المجتمع المسلم وأهل الكتاب ؛ كما استهدف المقطع الأول منها تقرير الأحكام النهائية في العلاقات بين هذا المجتمع والمشركين في الجزيرة . وإذا كانت نصوص المقطع الأول في منطوقها تواجه الواقع في الجزيرة يومئذ ؛ وتتحدث عن المشركين فيها ؛ وتحدد صفات ووقائع وأحداثا تنطبق عليهم انطباقا مباشرا . فإن النصوص في المقطع الثاني - الخاصة بأهل الكتاب - عامة في لفظها ومدلولها ؛ وهي تعني كل أهل الكتاب . سواء منهم من كان في الجزيرة ومن كان خارجها كذلك . هذه الأحكام النهائية التي يتضمنها هذا المقطع تحتوي تعديلات أساسية في القواعد التي كانت تقوم عليها العلاقات من قبل بين المجتمع المسلم وأهل الكتاب - وبخاصة النصارى منهم - فلقد كانت وقعت المواقع قبل ذلك مع اليهود ؛ ولكن حتى هذا الوقت لم يكن قد وقع منها شيء مع النصارى . والتعديل البارز في هذه الأحكام الجديدة هو الأمر بقتال أهل الكتاب المنحرفين عن دين اللّه حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون . . فلم تعد تقبل منهم عهود موادعة ومهادنة إلا على هذا الأساس . . أساس إعطاء الجزية . . وفي هذه الحالة تتقرر لهم حقوق الذمي المعاهد ؛ ويقوم السلام بينهم وبين المسلمين . فأما إذا هم اقتنعوا بالإسلام عقيدة فاعتنقوه فهم من المسلمين . . إنهم لا يكرهون على اعتناق الإسلام عقيدة . فالقاعدة الإسلامية المحكمة هي :
« لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ »
. . ولكنهم لا يتركون على دينهم إلا إذا أعطوا الجزية ، وقام بينهم وبين المجتمع المسلم عهد على هذا الأساس . وهذا التعديل الأخير في قواعد التعامل بين المجتمع المسلم وأهل الكتاب لا يفهم على طبيعته إلا بالفقه المستنير لطبيعة العلاقات الحتمية بين منهج اللّه ومناهج الجاهلية من ناحية . ثم لطبيعة المنهج الحركي الإسلامي ، ومراحله المتعددة ، ووسائله المتجددة المكافئة للواقع البشري المتغير من الناحية الأخرى . وطبيعة العلاقة الحتمية بين منهج اللّه ومناهج الجاهلية هي عدم إمكان التعايش إلا في ظل أوضاع خاصة وشروط خاصة ؛ قاعدتها ألا تقوم في وجه الإعلان العام الذي يتضمنه الإسلام لتحرير الإنسان بعبادة اللّه وحده والخروج من عبادة البشر للبشر ، أية عقبات مادية من قوة الدولة ، ومن نظام الحكم ، ومن أوضاع المجتمع على ظهر الأرض ! ذلك أن منهج اللّه يريد أن يسيطر ، ليخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة اللّه وحده - كما هو الإعلان العام للإسلام - ومناهج الجاهلية تريد - دفاعا عن وجودها - أن تسحق الحركة المنطلقة بمنهج اللّه في الأرض ، وأن تقضي عليها . .