تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1618

مساهمون:

ص١٦١٨
بالقتل والأسر والسلب والهزيمة :
« وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ »
. .
« ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ ، وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ »
. . فباب المغفرة دائما مفتوح لمن يخطئ ثم يتوب . إن معركة حنين التي يذكرها السياق هنا ليعرض نتائج الانشغال عن اللّه ، والاعتماد على قوة غير قوته ، لتكشف لنا عن حقيقة أخرى ضمنية . حقيقة القوى التي تعتمد عليها كل عقيدة . إن الكثرة العددية ليست بشيء ، إنما هي القلة العارفة المتصلة الثابتة المتجردة للعقيدة . وإن الكثرة لتكون أحيانا سببا في الهزيمة ، لأن بعض الداخلين فيها ، التائهين في غمارها ، ممن لم يدركوا حقيقة العقيدة التي ينساقون في تيارها ، تتزلزل أقدامهم وترتجف في ساعة الشدة ؛ فيشيعون الاضطراب والهزيمة في الصفوف ، فوق ما تخدع الكثرة أصحابها فتجعلهم يتهاونون في توثيق صلتهم باللّه ، انشغالا بهذه الكثرة الظاهرة عن اليقظة لسر النصر في الحياة . لقد قامت كل عقيدة بالصفوة المختارة ، لا بالزبد الذي يذهب جفاء ، ولا بالهشيم الذي تذروه الرياح ! وعندما يبلغ السياق إلى هذا المقطع ، ويلمس وجدان المسلمين بالذكرى القريبة من التاريخ ، ينهي القول في شأن المشركين . ويلقي الكلمة الباقية فيهم إلى يوم الدين :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا ؛ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ . إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ »
. . إنما المشركون نجس . يجسم التعبير نجاسة أرواحهم فيجعلها ماهيتهم وكيانهم . فهم بكليتهم وبحقيقتهم نجس ، يستقذره الحس ، ويتطهر منه المتطهرون ! وهو النجس المعنوي لا الحسي في الحقيقة ، فأجسامهم ليست نجسة بذاتها . إنما هي طريقة التعبير القرآنية بالتجسيم « 1 » .
« نَجَسٌ . فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا »
. . وتلك غاية في تحريم وجودهم بالمسجد الحرام ، حتى لينصبّ النهي على مجرد القرب منه ، ويعلل بأنهم نجس وهو الطهور ! ولكن الموسم الاقتصادي الذي ينتظره أهل مكة ؛ والتجارة التي يعيش عليها معظم الظاهرين في الجزيرة ؛ ورحلة الشتاء والصيف التي تكاد تقوم عليها الحياة . . . إنها كلها ستتعرض للضياع بمنع المشركين من الحج ؛ وبإعلان الجهاد العام على المشركين كافة . . نعم ! ولكنها العقيدة . واللّه يريد أن تخلص القلوب كلها للعقيدة ! وبعد ذلك ، فاللّه هو المتكفل بأمر الرزق من وراء الأسباب المعهودة المألوفة :
« وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ »
. .
هامش
( 1 ) يراجع فصل « التخييل الحسي والتجسيم » في كتاب : « التصوير الفني في القرآن » . « دار الشروق » .