( 9 ) سورة التوبة مدنيّة وآياتها تسع وعشرون ومائة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ *
هذه السورة مدنية من أواخر ما نزل من القرآن - إن لم تكن هي آخر ما نزل من القرآن « 1 » - ومن ثم قد تضمنت أحكاما نهائية في العلاقات بين الأمة المسلمة وسائر الأمم في الأرض ؛ كما تضمنت تصنيف المجتمع المسلم ذاته ، وتحديد قيمه ومقاماته ، وأوضاع كل طائفة فيه وكل طبقة من طبقاته « 2 » ، ووصف واقع هذا المجتمع بجملته وواقع كل طائفة منه وكل طبقة وصفا دقيقا مصورا مبينا .
والسورة - بهذا الاعتبار - ذات أهمية خاصة في بيان طبيعة المنهج الحركي للإسلام ومراحله وخطواته - حين تراجع الأحكام النهائية التي تضمنتها مع الأحكام المرحلية التي جاءت في السور قبلها - وهذه المراجعة تكشف عن مدى مرونة ذلك المنهج وعن مدى حسمه كذلك . وبدون هذه المراجعة تختلط الصور والأحكام والقواعد ، كما يقع كلما انتزعت الآيات التي تتضمن أحكاما مرحلية فجعلت نهائية ؛ ثم أريد للآيات التي تتضمن .
الأحكام النهائية أن تفسر وتؤول لتطابق تلك الأحكام المرحلية ؛ وبخاصة في موضوع الجهاد الإسلامي ، وعلاقات المجتمع المسلم بالمجتمعات الأخرى . مما نرجو أن يوفقنا اللّه لإيضاحه وبيانه في هذا التقديم ؛ وفي ثنايا استعراض النصوص القرآنية للسورة .
ومن مراجعة نصوص السورة مراجعة موضوعية ؛ ومراجعة ما جاء في الروايات المأثورة عن أسباب النزول وملابساته ؛ ومراجعة أحداث السيرة النبوية كذلك . . يتبين أن السورة بجملتها نزلت في العام التاسع من الهجرة . .
ولكنها لم تنزل دفعة واحدة . . ومع أننا لا نملك الجزم بالمواقيت الدقيقة التي نزلت فيها مقاطع السورة في خلال العام التاسع ، إلا أنه يمكن الترجيح بأنها نزلت في ثلاث مراحل . . المرحلة الأولى منها كانت قبل غزوة تبوك في شهر رجب من هذا العام . والمرحلة الثانية كانت في أثناء الاستعداد لهذه الغزوة ثم في ثناياها . والمرحلة الثالثة كانت بعد العودة منها . أما مقدمات السورة من أولها إلى نهاية الآية الثامنة والعشرين منها فقد نزلت
هامش
( 1 ) الرواية الراجحة أن سورة النصر هي آخر سورة نزلت . .
( 2 ) الطبقات التي نعنيها في المجتمع المسلم ليست طبقات اجتماعية بالمعنى الصغير المفهوم الآن من الطبقية ولكنها الطبقات التي تقوم على قيم إسلامية بحتة كالسابقين من المهاجرين والأنصار ، وأهل بدر ، وأصحاب بيعة الرضوان ومن أنفق من قبل الفتح وقاتل ، ومن أنفق من بعد الفتح وقاتل ، والقاعدين ، والمنافقين . . . إلخ