تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1563

مساهمون:

ص١٥٦٣
كذلك قامت في التاريخ الحديث تجمعات أخرى . . تجمع الإمبراطورية البريطانية مثلا . . ولكنه كان كالتجمع الروماني الذي هو وريثه ! تجمعا قوميا استغلاليا ؛ يقوم على أساس سيادة القومية الإنجليزية ، واستغلال المستعمرات التي تضمها الإمبراطورية . . ومثله الإمبراطوريات الأوربية كلها : الإمبراطورية الأسبانية والبرتغالية في وقت ما ، والإمبراطورية الفرنسية . . وكلها في ذلك المستوي الهابط البشع المقيت ! وأرادت الشيوعية أن تقيم تجمعا من نوع آخر ، يتخطى حواجز الجنس والقوم والأرض واللغة واللون . ولكنها لم تقمه على قاعدة « إنسانية » عامة . إنما أقامته على القاعدة « الطبقية » . . فكان هذا التجمع هو الوجه الآخر للتجمع الروماني القديم . . هذا تجمع على قاعدة طبقة « الأشراف » ؛ وذلك تجمع على قاعدة طبقة « الصعاليك » ( البروليتريا ) والعاطفة التي تسوده هي عاطفة الحقد الأسود على سائر الطبقات الأخرى ! وما كان لمثل هذا التجمع الصغير أن يثمر إلا أسوأ ما في الكائن الإنساني . . فهو ابتداء قائم على أساس إبراز الصفات الحيوانية وحدها وتنميتها وتمكينها باعتبار أن « المطالب الأساسية » للإنسان هي « الطعام والمسكن والجنس » - وهي مطالب الحيوان الأولية - وباعتبار أن تاريخ الإنسان هو تاريخ البحث عن الطعام ! ! ! لقد تفرد الإسلام بمنهجه الرباني في إبراز أخص خصائص الإنسان وتنميتها وإعلائها في بناء المجتمع الإنساني . . وما يزال مفردا . . والذين يعدلون عنه إلى أي منهج آخر ، يقوم على أية قاعدة أخرى من القوم أو الجنس أو الأرض أو الطبقة . . إلى آخر هذا النتن السخيف هم أعداء الإنسان حقا ! هم الذين لا يريدون لهذا الإنسان أن يتفرد في هذا الكون بخصائصه العليا كما فطره اللّه ؛ ولا يريدون لمجتمعه أن ينتفع بأقصى كفايات أجناسه وخصائصها وتجاربها في امتزاج وتناسق . . وهم في الوقت ذاته يسبحون ضد التيار ؛ ويعملون ضد خط الصعود الإنساني ؛ ليعودوا بالإنسان إلى التجمع على مثل ما تتجمع عليه « البهائم » من الحظيرة والكلأ ! بعد أن رفعه اللّه إلى ذلك المقام الكريم الذي يتجمع فيه على ما يليق أن تتجمع عليه « الناس » ! وأعجب العجب أن يسمى التجمع على خصائص الإنسان العليا تعصبا وجمودا ورجعية ، وأن يسمى التجمع على مثل خصائص الحيوان تقدما ورقيا ونهضة ؛ وأن تقلب القيم والاعتبارات كلها ؛ لا لشيء إلا للهروب من التجمع على أساس العقيدة . . خصيصة الإنسان العليا . . ولكن اللّه غالب على أمره . . وهذه الانتكاسات الحيوانية الجاهلية في حياة البشرية لن يكتب لها البقاء . . وسيكون ما يريده اللّه حتما . . وستحاول البشرية ذات يوم أن تقيم تجمعاتها على القاعدة التي كرم اللّه الإنسان بها . والتي تجمع عليها المجتمع المسلم الأول فكان له تفرده التاريخي الفائق . وستبقى صورة هذا المجتمع تلوح على الأفق ، تتطلع إليها البشرية وهي تحاول مرة أخرى أن ترقى في الطريق الصاعد إلى ذلك المرتقى السامي الذي بلغت إليه في يوم من الأيام . .