تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1535

مساهمون:

ص١٥٣٥
أخذ الذين كفروا بالمهانة والعذاب ، سنة ماضية لا تتخلف ولا تتبدل ؛ فهذا هو المصير المحتوم الذي جرت به السنة من قديم :
« كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ؛ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ ، فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ، إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ »
. . إن اللّه - سبحانه - لا يكل الناس إلى فلتات عابرة ، ولا إلى جزاف لا ضابط له . . إنما هي سنته يمضي بها قدره . . وما أصاب المشركين في يوم بدر ، هو ما يصيب المشركين في كل وقت ؛ وقد أصاب آل فرعون والذين من قبلهم :
« كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ »
. . ولم يعجزوه - سبحانه - ولم يتخلف عنهم عقابه :
« إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ »
. ولقد آتاهم اللّه من نعمته ، ورزقهم من فضله ، ومكن لهم في الأرض ، وجعلهم خلائف فيها . . وهذا كله إنما يعطيه اللّه للناس ابتلاء منه وامتحانا ، لينظر أيشكرون أم يكفرون ؟ ولكنهم كفروا ولم يشكروا ؛ وطغوا وبغوا بما أعطوا ، وغيرتهم النعمة والقوة فصاروا جبابرة وطواغيت كفرة فجرة . . وجاءتهم آيات اللّه فكفروا بها . . وعندئذ حقت عليهم سنة اللّه في أخذ الكافرين بعد أن تبلغهم آياته فيكذبوا بها . . وعندئذ غير اللّه النعمة ، وأخذهم بالعذاب ، ودمر عليهم تدميرا :
« ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ . وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ . كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ . كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ ، فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ ، وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ . وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ »
. . لقد أهلكهم اللّه بعد التكذيب بآياته . ولم يهلكهم قبلها سبحانه - مع أنهم كانوا كافرين - لأن هذه سنته ورحمته :
« وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا »
. . وهو يعبر هنا عن آل فرعون والذين من قبلهم من أمثالهم الذين كذبوا بآيات اللّه فأهلكهم . . بأنهم
« كانُوا ظالِمِينَ »
. . مستخدما لفظ « الظلم » بمعنى « الكفر » أو « الشرك » وهذا هو الاستعمال الغالب في القرآن . . ولا بد أن نقف قليلا عند نص هذه الآية :
« ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ »
. . إنه ، من جانب ، يقرر عدل اللّه في معاملة العباد ؛ فلا يسلبهم نعمة وهبهم إياها إلا بعد أن يغيروا نواياهم ، ويبدلوا سلوكهم ، ويقلبوا أوضاعهم ، ويستحقوا أن يغير ما بهم مما أعطاهم إياه للابتلاء والاختبار من النعمة التي لم يقدروها ولم يشكروها . . ومن الجانب الآخر يكرم هذا المخلوق الإنساني أكبر تكريم ، حين يجعل قدر اللّه به ينفذ ويجري عن طريق حركة هذا الإنسان وعمله ؛ ويجعل التغيير القدري في حياة الناس مبنيا على التغيير الواقعي في قلوبهم ونواياهم وسلوكهم وعملهم ، وأوضاعهم التي يختارونها لأنفسهم . . ومن الجانب الثالث يلقي تبعة عظيمة - تقابل التكريم العظيم - على هذا الكائن . فهو يملك أن يستبقي نعمة اللّه عليه