« وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ ، وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ ، ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ ، وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ »
. .
قد تعنيان حال المشركين يوم بدر ؛ والملائكة تشترك في المعركة - كما قال لهم اللّه سبحانه :
« فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ . ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، وَمَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ »
. . وإن كنا - كما قلنا عند استعراض هذا النص في الجزء التاسع - لا ندري كيف تضرب الملائكة فوق الأعناق وكل بنان . ولكن جهلنا بالكيفية لا يدعونا إلى تأويل هذا النص عن مدلوله الظاهر ؛ وهو أن هناك أمرا من اللّه للملائكة بالضرب ، وأن الملائكة
« لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ
« 1 »
»
. .
وتكون هاتان الآيتان هنا تذكيرا بما كان يوم بدر ؛ وتكملة لحكاية فعل الملائكة فيه بالذين كفروا . .
كما أن هاتين الآيتين قد تعنيان حالة دائمة كلما توفت الملائكة الذين كفروا . . في يوم بدر وفي غيره . .
ويكون قوله تعالى :
« وَلَوْ تَرى »
. . موجها توجيه الخطاب لكل من يرى ، كما يكثر مثل هذا الأسلوب في التوجيه إلى المشاهد البارزة التي من شأنها أن يتوجه إليها كل من يرى . .
وسواء كان هذا أو ذاك . فالتعبير القرآني يرسم صورة منكرة للذين كفروا ، والملائكة تستل منهم أرواحهم في مشهد مهين ؛ يضيف المهانة والخزي ، إلى العذاب والموت :
« وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ »
. .
ثم يتحول السياق من صيغة الخبر إلى صيغة الخطاب :
« وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ »
.
ليرد المشهد حاضرا كأنه اللحظة مشهود ؛ وكأنما جهنم بنارها وحريقها في المشهد وهم يدفعون إليها دفعا مع التأنيب والتهديد :
« ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ »
. .
وأنتم إنما تلاقون جزاء عادلا ، تستحقونه بما قدمت أيديكم :
« وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ »
. .
وهذا النص - بما يعرضه من مشهد « عذاب الحريق » - يثير في النفس سؤالا : ترى هذا تهديد من الملائكة للذين كفروا بعذاب المستقبل المقرر لهم - كأنه واقع بهم - بعد البعث والحساب ؟ أم إنهم يلاقون عذاب الحريق بمجرد توفيهم ؟ . .
وكلاهما جائز ، لا يمنع مانع من فهمه من النص القرآني . . ولا نحب أن نزيد شيئا على هذا التقرير . .
فهو أمر من أمور الغيب الذي استأثر اللّه بعلمه ؛ وليس علينا فيه إلا اليقين بوقوعه . وهو واقع ما له من دافع .
أما موعده فعلم ذلك عند علام الغيوب .
وننتقل من هذه الوقفة الخاطفة ، مع السياق في انتقاله إلى تقرير الحقيقة الكلية وراء هذا المشهد . . إن
هامش
( 1 ) وليس كالذي قاله المرحوم السيد رشيد رضا من أنه ثبت أن الملائكة لم تشترك في المعركة يوم بدر إلا بمخالطة أرواح المؤمنين وتثبيتهم .
فهذا مخالف لظاهر النص . والنص أولى بالاتباع .