تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1375

مساهمون:

ص١٣٧٥
« إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي »
. . بهذا البيان المصور لحقيقة موقفه .
« فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ »
. . وهذه أخرى يستجيش بها هارون وجدان الأخوة الناصرة المعينة ، حين يكون هناك الأعداء الذين يشمتون !
« وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ »
. . القوم الذين ضلوا وكفروا بربهم الحق ؛ فأنا لم أضل ولم أكفر معهم ، وأنا بريء منهم ! عندئذ تهدأ ثائرة موسى أمام هذه الوداعة وأمام هذا البيان . وعندئذ يتوجه إلى ربه ، يطلب المغفرة له ولأخيه ، ويطلب الرحمة من أرحم الراحمين :
« قالَ : رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي ، وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ ، وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ »
. . وهنا يجيء الحكم الفاصل ممن يملكه سبحانه ! ويتصل كلام اللّه سبحانه بما يحكيه القرآن الكريم من كلام عبده موسى ، على النسق الذي يتكرر في السياق القرآني :
« إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا . وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ . وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ، ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها وَآمَنُوا ، إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ »
. . إنه حكم ووعد . . إن القوم الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا . . ذلك مع قيام القاعدة الدائمة : إن الذين يعملون السيئات ثم يتوبون يغفر اللّه لهم برحمته . . وإذن فقد علم اللّه أن الذين اتخذوا العجل لن يتوبوا توبة موصولة ؛ وأنهم سيرتكبون ما يخرجهم من تلك القاعدة . . وهكذا كان . فقد ظل بنو إسرائيل يرتكبون الخطيئة بعد الخطيئة ؛ ويسامحهم اللّه المرة بعد المرة . حتى انتهوا إلى الغضب الدائم واللعنة الأخيرة :
« وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ »
. . كل المفترين إلى يوم الدين . . فهو جزاء متكرر كلما تكررت جريمة الافتراء على اللّه ، من بني إسرائيل ، ومن غير بني إسرائيل . . ووعد اللّه صادق لا محالة . وقد كتب على الذين اتخذوا العجل الغضب والذلة . وكان آخر ما كتب اللّه عليهم أن يبعث عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب . فإذا بدا في فترة من فترات التاريخ أنهم يطغون في الأرض ؛ ويستعلون بنفوذهم على الأمميين - أو كما يقولون عنهم في التلمود : « الجوييم » ! - وأنهم يملكون سلطان المال ، وسلطان أجهزة الإعلام ؛ وأنهم يقيمون الأوضاع الحاكمة التي تنفذ لهم ما يريدون ؛ وأنهم يستذلون بعض عباد اللّه ويطردونهم من أرضهم وديارهم في وحشية ؛ والدول الضالة تساندهم وتؤيدهم . . . إلى آخر ما نراه في هذا الزمان . . فليس هذا بناقض لوعيد اللّه لهم ، ولا لما كتبه عليهم . . فهم بصفاتهم هذه وأفعالهم يختزنون النقمة في قلوب البشر ؛ ويهيئون الرصيد الذي يدمرهم من السخط والغضب . . إنما هم يستطيلون على الناس في فلسطين مثلا لأن الناس لم يعد لهم دين ! ولم يعودوا مسلمين ! . . إنهم يتفرقون ويتجمعون تحت رايات قومية جنسية ؛ ولا يتجمعون تحت راية العقيدة الإسلامية ! وهم من ثم يخيبون ويفشلون ؛ وتأكلهم إسرائيل ! غير أن هذه حال لن تدوم ! إنها فترة الغيبوبة عن السلاح الوحيد ، والمنهج الوحيد ، والراية الوحيدة ، التي غلبوا بها ألف عام ، والتي بها يغلبون ، وبغيرها يغلبون ! إنها فترة الغيبوبة بحكم السموم التي بثتها اليهودية والصليبية في كيان الأمة « الإسلامية » ! والتي تحرسها بالأوضاع التي تقيمها في هذه الأرض « الإسلامية » . . ولكن هذا كله لن يدوم . . ستجيء الصحوة من هذه الغيبوبة . . وسيفيء أخلاف المسلمين