تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1374

مساهمون:

ص١٣٧٤
بهذه النكسة - إلى موقف لا يملكون دفعه فقد وقع منهم وانتهى ! قالوا قولتهم هذه :
« لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ »
. . وهذه القولة تدل على أنه كان فيهم - إلى ذلك الحين - بقية من استعداد صالح . فلم تكن قلوبهم قد قست كما قست من بعد - فهي كالحجارة أو أشد قسوة كما يصفهم من هو أعلم بهم ! - فلما أن تبين لهم ضلالهم ندموا وعرفوا أنه لا ينقذهم من عاقبة ما أتوا إلا أن تدركهم رحمة ربهم ومغفرته . . وهذه علامة طيبة على بقية من استعداد في الفطرة للصلاح . . كل ذلك وموسى - عليه السلام - بين يدي ربه ، في مناجاة وكلام ، لا يدري ما أحدث القوم بعده . . إلا أن ينبئه ربه . . وهنا يرفع الستار عن المشهد الحادي عشر :
« وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً . قالَ : بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي ! أَ عَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ ؟ وَأَلْقَى الْأَلْواحَ ، وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ . قالَ : ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي . فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ ، وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ . قالَ : رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي ، وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ ، وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ » . .
لقد عاد موسى إلى قومه غضبان أشد الغضب . يبدو انفعال الغضب في قوله وفعله . . يبدو في قوله لقومه :
« بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي ! أَ عَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ ؟ »
. . ويبدو في فعله إذ يأخذ برأس أخيه يجره إليه ويعنفه .
« وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ ! »
. . وحق لموسى عليه السلام أن يغضب فالمفاجأة قاسية . والنقلة بعيدة :
« بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي »
. . تركتكم على الهدى فخلفتموني بالضلال ، وتركتكم على عبادة اللّه فخلفتموني بعبادة عجل جسد له خوار !
« أَ عَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ ؟ »
. . أي استعجلتم قضاءه وعقابه ! أو ربما كان يعني : استعجلتم موعده وميقاته !
« وَأَلْقَى الْأَلْواحَ ، وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ »
. . وهي حركة تدل على شدة الانفعال . . فهذه الألواح هي التي كانت تحمل كلمات ربه . وهو لا يلقيها إلا وقد أفقده الغضب زمام نفسه . وكذلك أخذه برأس أخيه يجره إليه . وأخوه هو هارون العبد الصالح الطيب ! فأما هارون فيستجيش في نفس موسى عاطفة الأخوة الرحيمة ، ليسكن من غضبه ، ويكشف له عن طبيعة موقفه ، وأنه لم يقصر في نصح القوم ومحاولة هدايتهم :
« قالَ : ابْنَ أُمَّ ، إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي ! »
. . وهنا ندرك كيف كان القوم في هياجهم واندفاعهم إلى العجل الذهب ؛ حتى لهموا بهارون إذ حاول ردهم عن التردي والانتكاس : « ابن أم » . . بهذا النداء الرقيق وبهذه الوشيجة الرحيمة .