ولا ننس ما سبق بيانه عند قوله تعالى :
« إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ، وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ »
. .
من أن اليهود وصموا بالشرك باللّه ، لأنهم كانوا يتخذون أحبارهم أربابا من دون اللّه - لا لأنهم عبدوهم - ولكن لأنهم قبلوا منهم التحليل والتحريم ؛ ومنحوهم حق الحاكمية والتشريع - ابتداء من عند أنفسهم - فجعلوا بذلك مشركين . . الشرك الذي يغفر اللّه كل ما عداه . حتى الكبائر . . « وإن زنى وإن سرق . وإن شرب الخمر » . . فرد الأمر كله إلى إفراد اللّه - سبحانه - بالألوهية . ومن ثم إفراده بالحاكمية . فهي أخص خصائص الألوهية . وداخل هذا النطاق يبقى المسلم مسلما ويبقى المؤمن مؤمنا . ويطمع أن يغفر له ذنوبه ومنها كبائره . . أما خارج هذا النطاق فهو الشرك الذي لا يغفره اللّه أبدا . . إذ هو شرط الإيمان وحد الإسلام .
« إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ . . »
هذا هو الموضوع الخطير الذي يتناوله هذا الدرس . بالإضافة إلى بيان وظيفة الأمة المسلمة في الأرض .
من إقرار مبادئ العدل والخلق على أساس منهج اللّه القويم السليم :
« إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها . وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ . . إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ . . إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً »
. .
وقد ألممنا به إجمالا . فنأخذ في مواجهة النصوص تفصيلا . .
« إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها ؛ وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ . إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ . إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً »
. .
هذه هي تكاليف الجماعة المسلمة ؛ وهذا هو خلقها : أداء الأمانات إلى أهلها . والحكم بين « الناس » .
بالعدل . على منهج اللّه وتعليمه .
والأمانات تبدأ من الأمانة الكبرى . . الأمانة التي ناط اللّه بها فطرة الإنسان ؛ والتي أبت السماوات والأرض والجبال أن يحملنها وأشفقن منها ، وحملها « الإنسان » . . أمانة الهداية والمعرفة والإيمان باللّه عن قصد وإرادة وجهد واتجاه . فهذه أمانة الفطرة الإنسانية خاصة . فكل ما عدا الإنسان ألهمه ربه الإيمان به ، والاهتداء إليه ، ومعرفته ، وعبادته ، وطاعته . وألزمه طاعة ناموسه بغير جهد منه ولا قصد ولا إرادة ولا اتجاه . والإنسان وحده هو الذي وكل إلى فطرته ، وإلى عقله ، وإلى معرفته ، وإلى إرادته ، وإلى اتجاهه ، وإلى جهده الذي يبذله للوصول إلى اللّه ، بعون من اللّه :
« وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا »
. . وهذه أمانة حملها وعليه أن يؤديها أول ما يؤدي من الأمانات « 1 » .
ومن هذه الأمانة الكبرى ، تنبثق سائر الأمانات ، التي يأمر اللّه أن تؤدى :
ومن هذه الأمانات : أمانة الشهادة لهذا الدين . . الشهادة له في النفس أولا بمجاهدة النفس حتى تكون ترجمة له . ترجمة حية في شعورها وسلوكها . حتى يرى الناس صورة الإيمان في هذه النفس . فيقولوا :
ما أطيب هذا الإيمان وأحسنه وأزكاه ؛ وهو يصوغ نفوس أصحابه على هذا المثال من الخلق والكمال ! فتكون هذه شهادة لهذا الدين في النفس يتأثر بها الآخرون . . والشهادة له بدعوة الناس إليه ، وبيان فضله ومزيته - بعد تمثل هذا الفضل وهذه المزية في نفس الداعية - فما يكفي أن يؤدي المؤمن الشهادة للإيمان في ذات نفسه ، إذا هو لم يدع إليها الناس كذلك ، وما يكون قد أدى أمانة الدعوة والتبليغ والبيان . وهي إحدى الأمانات . .
هامش
( 1 ) يراجع بتوسع كتاب « خصائص التصور الإسلامي ومقوماته » فصل : « حقيقة الإنسان » . « دار الشروق » .