تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 1133

مساهمون:

ص١١٣٣
لا تلك الحتميات المدعاة ! والذي يريد أن يتملى شقاء البشرية في انحرافها عن هدى اللّه ، لا يحتاج أن ينقب ؛ فهو حوله في كل أرض تراه الأعين وتلمسه الأيدي ، ويصرخ منه العقلاء في كل مكان « 1 » . ومن ثم يستطرد السياق في الآية ليقرر ضرورة الاستسلام للّه وحده ، وعبادته وحده ، ومخافته وتقواه :
« وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ ، وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ »
. . قل يا محمد وأعلن أن هدى اللّه هو الهدى ؛ وأننا - من ثم - أمرنا أن نسلم لرب العالمين . فهو وحده الذي يستسلم له العالمون . فالعوالم كلها مستسلمة له ، فما ذا الذي يجعل الإنسان وحده - من بين العالمين - يشذ عن الاستسلام لهذه الربوبية الشاملة التي تستسلم لها العوالم في السماوات والأرضين ؟ إن ذكر الربوبية للعالمين هنا له موضعه . . إنه يقرر الحقيقة التي لا مناص من الاعتراف بها وهي استسلام الوجود كله ، وما فيه من عوالم مشهودة ومغيبة ، للنواميس التي وضعها اللّه لها ؛ وهي لا تملك الخروج عليها ، والإنسان - من ناحية تركيبه العضوي - يستسلم كذلك لهذه النواميس كرها ، ولا يملك الخروج عليها . . فلا يبقى إلا أن يستسلم في الجانب الذي ترك له الخيار فيه ليبتلى فيه ، وهو جانب الاختيار . . اختيار الهدى أو الضلال . . ولو استسلم فيه استسلام كيانه العضوي ، لاستقام أمره ، وتناسق تكوينه وسلوكه ، وجسمه وروحه ، ودنياه وآخرته « 2 » . . وفي إعلان الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - والمسلمين معه ، أنهم أمروا بالاستسلام فاستسلموا ، إيحاء مؤثر لمن يفتح اللّه قلبه للتلقي والاستجابة على مدى الزمان . وبعد إعلان الاستسلام لرب العالمين تجيء التكاليف التعبدية والشعورية :
« وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ »
. فالأصل هو الاستسلام لربوبية رب العالمين ، وسلطانه وتربيته وتقويمه . ثم تجيء العبادات الشعائرية ؛ وتجيء الرياضيات النفسية . . لتقوم على قاعدة الاستسلام . . فإنها لا تقوم إلا إذا رسخت هذه القاعدة ليقوم عليها البناء . وفي الإيقاع الأخير في الفقرة يحشد السياق المؤثرات من الحقائق الأساسية في العقيدة : حقيقة الحشر . . وحقيقة الخلق . وحقيقة السلطان . وحقيقة العلم بالغيب والشهادة . وحقيقة الحكمة والخبرة . . من خصائص الألوهية ، التي هي الموضوع الرئيسي في هذه السورة :
« وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ . وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ . وَيَوْمَ يَقُولُ : كُنْ فَيَكُونُ . قَوْلُهُ الْحَقُّ ، وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ ، عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ ، وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ »
. .
« وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ »
. . إن الاستسلام لرب العالمين ضرورة وواجب . . فهو الذي إليه تحشر الخلائق . . فأولى لهم أن يقدموا بين يدي الحشر - الحتمي - ما ينجيهم ؛ وأولى لهم أن يستسلموا اليوم له استسلام العالمين ؛ قبل أن يقفوا أمامه
هامش
( 1 ) يراجع فصل : « تخبط واضطراب » في كتاب « الإسلام ومشكلات الحضارة » وفصل « شهادة القرن العشرين » في كتاب « التطور والثبات في حياة البشرية » . « دار الشروق » . ( 2 ) يراجع بتوسع فصل « الإسلام » في كتاب « مبادئ الإسلام » للسيد أبي الأعلى المودودي أمير الجماعة الإسلامية بباكستان .
في ظلال القرآن — صفحة 1133 | سيد قطب