هذا الإيقاع القوي بحقيقة الألوهية وخصائصها ؛ وباستنكار الشرك والعودة إليه بعد الهدى ؛ وبمشهد الذي يرجع القهقرى مرتدا عن دين اللّه ؛ وحيرته في التيه بلا اتجاه ؛ وبتقرير أن هدى اللّه وحده هو الهدى . . هذا الإيقاع يختم برنة عالية عميقة مدوية . عن سلطان اللّه المطلق ، في الأمر والخلق ؛ وعن انكشاف هذا السلطان وتفرده بالظهور - حتى للمنكرين المطموسين - « يوم ينفخ في الصور » ويبعث من في القبور ؛ ويستيقن من لم يكن يستيقن أن الملك للّه وحده ، وأن إليه المصير :
« قُلْ : أَ نَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا ، وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللَّهُ ، كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ ، حَيْرانَ ، لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى . ائْتِنا . قُلْ : إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى ، وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ . وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ »
. .
« قُلْ »
. . الإيقاع القوي المتكرر في السورة ؛ الذي يوحي بأن هذا الأمر للّه وحده ، وأن الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - إنما هو منذر ومبلغ ؛ والذي يوحي بجلال هذا الأمر وعلويته ورهبته ؛ وأن الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - إنما هو مأمور به من ربه .
« قُلْ : أَ نَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا ؟ »
. .
قل لهم يا محمد ما هم عليه من دعوة غير اللّه والاستعانة به وإسلام مقادهم لهؤلاء الذين يدعونهم من دونه ، وهم لا يملكون نفعا ولا ضرا . سواء كان ما يدعونه وثنا أو صنما ، حجرا أو شجرا ، روحا أم ملكا ، شيطانا أم إنسانا . . فكلهم سواء في أنهم لا ينفعون شيئا ولا يضرون . فهم أعجز من النفع والضر . وكل حركة إنما تجري بقدر من اللّه . فما لم يأذن به اللّه لا يكون ، ولا يكون إلا قدره وما جرى به قضاؤه من الأمور . .
قل لهم مستنكرا دعوة غير اللّه ، وعبادة غير اللّه ، والاستعانة بغير اللّه ، والخضوع لغير اللّه . وسخف هذا التصرف وهذا الاتجاه . . وسواء كان ذلك ردا على ما كان يقترحه المشركون على النبي - صلى اللّه عليه وسلم - من مشاركتهم عبادة آلهتهم ليشاركوه عبادة ربه ! أو كان ذلك استنكارا مبتدأ لما عليه المشركون ، وإعلانا للمفارقة والمفاصلة فيه من جانب النبي صلى اللّه عليه وسلم والمؤمنين . . فإن المؤدى في النهاية واحد ؛ وهو استنكار هذا السخف الذي يرفضه العقل البشري ذاته متى عرض له في النور ؛ بعيدا عن الموروثات الراسبة ، وبعيدا كذلك عن العرف السائد في البيئة ! ولتجسيم السخف وتضخيم الاستنكار يعرض هذه المعتقدات في ضوء ما هدى اللّه المسلمين إليه من عبادته وحده ، واتخاذه وحده إلها ، والدينونة له وحده بلا شريك :
« قُلْ : أَ نَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا ؟ »
. .
فهو ارتداد على الأعقاب ؛ ورجوع إلى الوراء ؛ بعد التقدم والارتقاء . .
ثم هذا المشهد الشاخص المتحرك الموحي المثير :
« كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ . . حَيْرانَ . . لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى : ائْتِنا »
. .
إنه مشهد حي شاخص متحرك للضلالة والحيرة التي تنتاب من يشرك بعد التوحيد ، ومن يتوزع قلبه بين الإله الواحد ، والآلهة المتعددة من العبيد ! ويتفرق إحساسه بين الهدى والضلال ، فيذهب في التيه . . إنه مشهد ذلك المخلوق التعيس :
« كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ »
- ولفظ الاستهواء لفظ مصور بذاته لمدلوله - ويا ليته يتبع هذا الاستهواء في اتجاهه ، فيكون له اتجاه صاحب القصد الموحد - ولو في طريق الضلال ! -