ثم ساق إليهم صيد البحر يجيئهم قاصدا الشاطئ متعرضا لأنظارهم في يوم السبت . فإذا لم يكن السبت اختفى ، شأن السمك في الماء . فلم يطيقوا الوفاء بعهودهم مع اللّه ؛ وراحوا - في جبلة اليهود المعروفة - يحتالون على اللّه فيحوّطون على السمك يوم السبت ولا يصيدونه ؛ حتى إذا كان الصباح التالي عادوا فأمسكوه من التحويطة ! وذلك الذي وجه اللّه - سبحانه - رسوله - صلى اللّه عليه وسلم - لأن يواجههم ويفضحهم به في قوله تعالى :
« وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ ، إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً ، وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ . كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ »
. .
هذا الابتلاء بعينه ابتلى به اللّه الأمة المسلمة ، فنجحت حيث أخفقت يهود . . وكان هذا مصداق قول اللّه سبحانه في هذه الأمة :
« كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ . وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ . مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ »
. .
ولقد نجحت هذه الأمة في مواطن كثيرة حيث أخفق بنو إسرائيل . ومن ثم نزع اللّه الخلافة في الأرض من بني إسرائيل وائتمن عليها هذه الأمة . ومكن لها في الأرض ما لم يمكن لأمة قبلها . إذ أن منهج اللّه لم يتمثل تمثلا كاملا في نظام واقعي يحكم الحياة . كلها كما تمثل في خلافة الأمة المسلمة . . ذلك يوم أن كانت مسلمة .
يوم أن كانت تعلم أن الإسلام هو أن يتمثل دين اللّه وشريعته في حياة البشر . وتعلم أنها هي المؤتمنة على هذه الأمانة الضخمة ؛ وأنها هي الوصية على البشرية لتقيم فيها منهج اللّه ، وتقوم عليه بأمانة اللّه .
ولقد كان هذا الاختبار بالصيد السهل في أثناء فترة الإحرام أحد الاختبارات التي اجتازتها هذه الأمة بنجاح .
وكانت عناية اللّه - سبحانه - بتربية هذه الأمة بمثل هذه الاختبارات من مظاهر رعايته واصطفائه .
ولقد كشف اللّه للذين آمنوا في هذا الحادث عن حكمة الابتلاء :
« لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ »
. .
إن مخافة اللّه بالغيب هي قاعدة هذه العقيدة في ضمير المسلم . القاعدة الصلبة التي يقوم عليها بناء العقيدة ، وبناء السلوك ، وتناط بها أمانة الخلافة في الأرض بمنهج اللّه القويم . .
إن الناس لا يرون اللّه ؛ ولكنهم يجدونه في نفوسهم حين يؤمنون . . إنه تعالى بالنسبة لهم غيب ، ولكن قلوبهم تعرفه بالغيب وتخافه . إن استقرار هذه الحقيقة الهائلة - حقيقة الإيمان باللّه بالغيب ومخافته - والاستغناء عن رؤية الحس والمشاهدة ؛ والشعور بهذا الغيب شعورا يوازي - بل يرجح - الشهادة ؛ حتى ليؤدي المؤمن شهادة : بأن لا إله إلا اللّه . وهو لم ير اللّه . . إن استقرار هذه الحقيقة على هذا النحو يعبر عن نقلة ضخمة في ارتقاء الكائن البشري ، وانطلاق طاقاته الفطرية ، واستخدام أجهزته المركوزة في تكوينه الفطري على الوجه الأكمل ؛ وابتعاده - بمقدار هذا الارتقاء - عن عالم البهيمة التي لا تعرف الغيب - بالمستوى الذي تهيأ له الإنسان - بينما يعبر انغلاق روحه عن رؤية ما وراء الحس ، وانكماش إحساسه في دائرة المحسوس ، عن تعطل أجهزة الالتقاط والاتصال الراقية فيه ؛ وانتكاسه إلى المستوي الحيواني في الحس « المادي » ! ومن ثم يجعلها اللّه سبحانه حكمة لهذا الابتلاء ؛ ويكشف للذين آمنوا عن هذه الحكمة كي تحتشد نفوسهم لتحقيقها . .
واللّه سبحانه يعلم علما لدنّيّا من يخافه بالغيب . ولكنه - سبحانه - لا يحاسب الناس على ما يعلمه عنهم علما .
لدنيا . إنما يحاسبهم على ما يقع منهم فيعلمه اللّه - سبحانه - علم وقوع . .
« فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ »
. .