تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 896

مساهمون:

ص٨٩٦
الضمائر والسرائر ، كما يملك السلطان على الحركة والسلوك . ويجزي الناس وفق شرائعه في الحياة الدنيا ، كما يجزيهم وفق حسابه في الحياة الآخرة . فأما حين تتوزع السلطة ، وتتعدد مصادر التلقي . . حين تكون السلطة للّه في الضمائر والشعائر بينما السلطة لغيره في الأنظمة والشرائع . . وحين تكون السلطة للّه في جزاء الآخرة بينما السلطة لغيره في عقوبات الدنيا . . حينئذ تتمزق النفس البشرية بين سلطتين مختلفتين ، وبين اتجاهين مختلفين ، وبين منهجين مختلفين . . وحينئذ تفسد الحياة البشرية ذلك الفساد الذي تشير إليه آيات القرآن في مناسبات شتى :
« لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا »
. .
« وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ »
. .
« ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ »
. . من أجل هذا جاء كل دين من عند اللّه ليكون منهج حياة . وسواء جاء هذا الدين لقرية من القرى ، أو لأمة من الأمم ، أو للبشرية كافة في جميع أجيالها ، فقد جاء ومعه شريعة معينة لحكم واقع الحياة ، إلى جانب العقيدة التي تنشئ التصور الصحيح للحياة ، إلى جانب الشعائر التعبدية التي تربط القلوب باللّه . . وكانت هذه الجوانب الثلاثة هي قوام دين اللّه . حيثما جاء دين من عند اللّه . لأن الحياة البشرية لا تصلح ولا تستقيم إلا حين يكون دين اللّه هو منهج الحياة « 1 » . وفي القرآن الكريم شواهد شتى على احتواء الديانات الأولى ، التي ربما جاءت لقرية من القرى ، أو لقبيلة من القبائل على هذا التكامل ، في الصورة المناسبة للمرحلة التي تمر بها القرية أو القبيلة . . وهنا يعرض هذا التكامل في الديانات الثلاث الكبرى . . اليهودية ، والنصرانية ، والإسلام . . ويبدأ بالتوراة في هذه الآيات التي نحن بصددها في هذه الفقرة :
« إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ »
: فالتوراة - كما أنزلها اللّه - كتاب اللّه الذي جاء لهداية بني إسرائيل ، وإنارة طريقهم إلى اللّه . وطريقهم في الحياة . . وقد جاءت تحمل عقيدة التوحيد . وتحمل شعائر تعبدية شتى . وتحمل كذلك شريعة :
« يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا ، لِلَّذِينَ هادُوا ، وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ ، بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ »
. أنزل اللّه التوراة لا لتكون هدى ونورا للضمائر والقلوب بما فيها من عقيدة وعبادات فحسب . ولكن كذلك لتكون هدى ونورا بما فيها من شريعة تحكم الحياة الواقعية وفق منهج اللّه ، وتحفظ هذه الحياة في اطار هذا المنهج . ويحكم بها النبيون الذين أسلموا أنفسهم للّه ؛ فليس لهم في أنفسهم شيء ؛ إنما هي كلها للّه ؛ وليست لهم مشيئة ولا سلطة ولا دعوى في خصيصة من خصائص الألوهية - وهذا هو الإسلام في معناه الأصيل - يحكمون بها للذين هادوا - فهي شريعتهم الخاصة نزلت لهم في حدودهم هذه وبصفتهم هذه - كما يحكم بها لهم الربانيون والأحبار ؛ وهم قضاتهم وعلماؤهم . وذلك بما أنهم قد كلفوا المحافظة على كتاب اللّه ، وكلفوا أن يكونوا عليه شهداء ، فيؤدوا له الشهادة في أنفسهم ، بصياغة حياتهم الخاصة وفق توجيهاته ، كما يؤدوا له الشهادة في قومهم بإقامة شريعته بينهم . وقبل أن ينتهي السياق من الحديث عن التوراة ، يلتفت إلى الجماعة المسلمة ، ليوجهها في شأن الحكم بكتاب
هامش
( 1 ) يراجع بتوسع كتاب : « الإسلام ومشكلات الحضارة » وكتاب « المستقبل لهذا الدين » وكتاب « خصائص التصور الإسلامي ومقوماته » . « دار الشروق » .