تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 894

مساهمون:

ص٨٩٤
ألا يجبروا إلا على ما هو وارد في شريعتهم من الأحكام ؛ وعلى ما يختص بالنظام العام . فيباح لهم ما هو مباح في شرائعهم ، كامتلاك الخنزير وأكله ، وتملك الخمر وشربه دون بيعه للمسلم . ويحرم عليهم التعامل الربوي لأنه محرم عندهم . وتوقع عليهم حدود الزنا والسرقة لأنها واردة في كتابهم وهكذا . كما توقع عليهم عقوبات الخروج على النظام العام والإفساد في الأرض كالمسلمين سواء ، لأن هذا ضروري لأمن دار الإسلام وأهلها جميعا : مسلمين وغير مسلمين . فلا يتسامح فيها مع أحد من أهل دار الإسلام . . وفي تلك الفترة التي كان الحكم فيها على التخيير ، كانوا يأتون ببعض قضاياهم إلى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ؛ مثال ذلك ما رواه مالك ، عن نافع ، عن عبد اللّه بن عمر - رضي اللّه عنهما - : « إن اليهود جاءوا إلى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فذكروا له أن رجلا منهم وامرأة زنيا . فقال لهم رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ما تجدون في التوراة في شأن الرجم ؟ فقالوا : نفضحهم ويجلدون . قال عبد اللّه بن سلام : كذبتم . إن فيها الرجم . فأتوا بالتوراة فنشروها . فوضع أحدهم يده على آية الرجم ، فقرأ ما قبلها وما بعدها . فقال عبد اللّه بن سلام : ارفع يدك . فرفع يده فإذا آية الرجم . فقالوا : صدق يا محمد فيها آية الرجم ! فأمر بهما رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فرجما . فرأيت الرجل يحني على المرأة يقيها الحجارة » . . ( أخرجه الشيخان واللفظ للبخاري ) ومثال ذلك ما رواه الإمام أحمد - بإسناده - عن ابن عباس قال : « أنزلها اللّه في الطائفتين من اليهود ، وكانت إحداهما قد قهرت الأخرى في الجاهلية ، حتى ارتضوا واصطلحوا على أن كل قتيل قتلته العزيزة من الذليلة فديته خمسون وسقا ، وكل قتيل قتلته الذليلة من العزيزة فديته مائة وسق . فكانوا على ذلك حتى قدم النبي - صلى اللّه عليه وسلم - فقتلت الذليلة من العزيزة قتيلا ، فأرسلت العزيزة إلى الذليلة أن ابعثوا لنا بمائة وسق فقالت الذليلة : وهل كان في حيين دينهما واحد ، ونسبهما واحد ، وبلدهما واحد ، دية بعضهم نصف دية بعض ؟ إنما أعطيناكم هذا ضيما منكم لنا ، وفرقا منكم . فأما إذ قدم محمد فلا نعطيكم ! فكادت الحرب تهيج بينهما . ثم ارتضوا على أن يجعلوا رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - حكما بينهم . ثم ذكرت العزيزة ، فقالت : واللّه ما محمد بمعطيكم منهم ضعف ما يعطيهم منكم ، ولقد صدقوا ، ما أعطونا هذا إلا ضيما منا وقهرا لهم ! فدسوا إلى محمد من يخبر لكم رأيه . . إن أعطاكم ما تريدون حكمتموه ، وإن لم يعطكم حذرتم فلم تحكموه ! فدسوا إلى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ناسا من المنافقين ليخبروا لهم رأي رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فلما جاءوا رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - أخبر اللّه رسوله - صلى اللّه عليه وسلم - بأمرهم كله وما أرادوا . فأنزل اللّه تعالى :
« يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ »
، إلى قوله : « الفاسقون » . . ففيهم واللّه أنزل ، وإياهم عنى اللّه عزّ وجل . . ( أخرجه أبو داود من حديث أبي الزناد عن أبيه ) . . وفي رواية لابن جرير عين فيها « العزيزة » وهي بنو النضير « والذليلة » وهي بنو قريظة . . مما يدل - كما قلنا - على أن هذه الآيات نزلت مبكرة قبل إجلائهم والتنكيل بهم . . وقد عقب السياق بسؤال استنكاري على موقف يهود - سواء كان في هذه القضية أو تلك فهو موقف عام منهم وتصرف مطرد - فقال :
« وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ - وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ - ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ ؟ »
. . فهي كبيرة مستنكرة أن يحكموا رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فيحكم بشريعة اللّه وحكم اللّه ، وعندهم - إلى جانب هذا - التوراة فيها شريعة اللّه وحكمه ؛ فيتطابق حكم رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم -
في ظلال القرآن — صفحة 894 | سيد قطب