تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 880

مساهمون:

ص٨٨٠
مالك أن الأمر راجع في ذلك إلى اجتهاد الإمام . فإن كان المحارب ممن له الرأي والتدبير فوجه الاجتهاد قتله أو صلبه ، لأن القطع لا يدفع ضرره . وإن كان لا رأي له وإنما هو ذو قوة وبأس قطعه من خلاف . وإن كان ليس له شيء من هاتين الصفتين أخذ بأيسر ذلك وهو النفي والتعزير » « 1 » . ونحن نختار رأي الإمام مالك في الفقرة الأخيرة منه ، وهي أن العقوبة قد توقع على مجرد الخروج وإخافة السبيل . لأن هذا إجراء وقائي المقصود منه أولا منع وقوع الجريمة ، والتغليظ على المفسدين في الأرض الذين يروعون دار الإسلام ؛ ويفزعون الجماعة المسلمة القائمة على شريعة اللّه في هذه الدار . وهي أجدر جماعة وأجدر دار بالأمن والطمأنينة والسلام . كذلك يختلفون في معنى النفي من الأرض . . هل هو النفي من الأرض التي ارتكب فيها جريمته ؟ أم هو النفي من الأرض التي يملك فيها حريته وذلك بحبسه . أم هو النفي من الأرض كلها ولا يكون ذلك إلا بالموت ؟ ونحن نختار النفي من أرض الجريمة ، إلى مكان ناء يحس فيه بالغربة والتشريد والضعف ؛ جزاء ما شرد الناس وخوّفهم وطغى بقوته فيهم . حيث يصبح في منفاه عاجزا عن مزاولة جريمته بضعف عصبيته ، أو بعزله عن عصابته !
« ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا . . وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ »
. . فالجزاء الذي يلقونه إذن في الدنيا لا يسقط عنهم العذاب في الآخرة ، ولا يطهرهم من دنس الجريمة كبعض الحدود الأخرى . وهذا كذلك تغليظ للعقوبة ، وتبشيع للجريمة . . ذلك أن الجماعة المسلمة في دار الإسلام يجب أن تعيش آمنة . وذلك أن السلطة المسلمة القائمة على شريعة اللّه يجب أن تكون مطاعة . فهذا هو الوسط الخير الرفيع الذي يجب توفير الضمانات كلها لازدهاره . . وهذا هو النظام العادل الكامل الذي يجب أن يصان من المساس به . . فإذا ارتدع هؤلاء الخارجون المفسدون عن غيهم وفسادهم ، نتيجة استشعارهم نكارة الجريمة ، وتوبة منهم إلى اللّه ورجوعا إلى طريقة المستقيم - وهم ما يزالون في قوتهم ، لم تنلهم يد السلطان - سقطت جريمتهم وعقوبتها معا ، ولم يعد للسلطان عليهم من سبيل ، وكان اللّه غفورا لهم رحيما بهم في الحساب الأخير :
« إِلَّا الَّذِينَ تابُوا - مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ - فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ »
. . والحكمة واضحة في إسقاط الجريمة والعقوبة في هذه الحالة عنهم من ناحيتين : الأولى : تقدير توبتهم - وهم يملكون العدوان - واعتبارها دليل صلاح واهتداء . . والثانية : تشجيعهم على التوبة ، وتوفير مئونة الجهد في قتالهم من أيسر سبيل . والمنهج الإسلامي يتعامل مع الطبيعة البشرية بكل مشاعرها ومساربها واحتمالاتها ؛ واللّه الذي رضي للمسلمين هذا المنهج هو بارئ هذه الطبيعة ، الخبير بمسالكها ودروبها ، العليم بما يصلحها وما يصلح لها . . ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ؟ . .
هامش
( 1 ) عن كتاب : « التشريع الجنائي في الإسلام مقارنا بالقانون الوضعي » لعبد القادر عودة .