تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 879

مساهمون:

ص٨٧٩
عليها . سواء خارج المصر أو داخله . وهذا هو الأقرب للواقع العملي ومجابهته بما يستحقه . وهؤلاء الخارجون على حاكم يحكم بشريعة اللّه ؛ المعتدون على أهل دار الإسلام المقيمين للشريعة ( سواء كانوا مسلمين أو ذميين أو مستأمنين بعهد ) لا يحاربون الحاكم وحده ، ولا يحاربون الناس وحدهم . إنما هم يحاربون اللّه ورسوله . حينما يحاربون شريعته ، ويعتدون على الأمة القائمة على هذه الشريعة ، ويهددون دار الإسلام المحكومة بهذه الشريعة . كما أنهم بحربهم للّه ورسوله ، وحربهم لشريعته وللأمة القائمة عليها وللدار التي تطبقها ، يسعون في الأرض فسادا . . فليس هناك فساد أشنع من محاولة تعطيل شريعة اللّه ، وترويع الدار التي تقام فيها هذه الشريعة . . إنهم يحاربون اللّه ورسوله . . وإن كانوا إنما يحاربون الجماعة المسلمة والإمام المسلم . فهم قطعا لا يحاربون اللّه - سبحانه - بالسيف ، وقد لا يحاربون شخص رسول اللّه - بعد اختياره الرفيق الأعلى - ولكن الحرب للّه ورسوله متحققة ، بالحرب لشريعة اللّه ورسوله ، وللجماعة التي ارتضت شريعة اللّه ورسوله ، وللدار التي تنفذ فيها شريعة اللّه ورسوله . كما أن للنص - في صورته هذه - مفهوما آخر متعينا كهذا المفهوم - هو أن السلطان الذي يحق له - بأمر اللّه - أن يأخذ الخارجين عليه بهذه العقوبات المقررة لهذه الجريمة ، هو السلطان الذي يقوم على شريعة اللّه ورسوله ، في دار الإسلام المحكومة بشريعة اللّه ورسوله . . وليس أي سلطان آخر لا تتوافر له هذه الصفة ، في أية دار أخرى لا يتوافر لها هذا الوصف . . نقرر هذا بوضوح ، لأن بعض أذناب السلطة في كل زمان ، كانوا يفتون لحكام لا يستمدون سلطانهم من شريعة اللّه ولا يقومون على تنفيذ هذه الشريعة ، ولا يحققون وجود دار إسلام في بلادهم ، ولو زعموا أنهم مسلمون . . كانوا يفتون لهم بأن يأخذوا الخارجين عليهم بهذه العقوبات - باسم شريعة اللّه - بينما كان هؤلاء الخارجون لا يحاربون اللّه ورسوله ؛ بل يحاربون سلطة خارجة على اللّه ورسوله . . إنه ليس لسلطة لا تقوم على شريعة اللّه في دار الإسلام ، أن تأخذ الخارجين عليها باسم شريعة اللّه . . وما لمثل هذه السلطة وشريعة اللّه ؟ إنها تغتصب حق الألوهية وتدعيه ؛ فما لها تتحكك بقانون اللّه وتدعيه ؟ ! . . إنما جزاء أفراد هذه العصابات المسلحة ، التي تخرج على سلطان الإمام المسلم المقيم لشريعة اللّه ؛ وتروع عباد اللّه في دار الإسلام ، وتعتدي على أموالهم وأرواحهم وحرماتهم . . أن يقتلوا تقتيلا عاديا . أو أن يصلبوا حتى يموتوا ( وبعض الفقهاء يفسر النص بأنه الصلب بعد القتل للترويع والإرهاب ) أو أن تقطع أيديهم اليمنى مع أرجلهم اليسرى . . من خلاف . . ويختلف الفقهاء اختلافا واسعا حول هذا النص : إن كان للإمام الخيار في هذه العقوبات ، أم أن هناك عقوبة معينة لكل جريمة تقع من الخارجين . « ويرى الفقهاء في مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد أن العقوبات مرتبة على حسب الجناية التي وقعت . فمن قتل ولم يأخذ مالا قتل ، ومن أخذ المال ولم يقتل قطع ، ومن قتل وأخذ المال قتل وصلب ، ومن أخاف السبيل ولكنه لم يقتل ولم يأخذ مالا نفي : « وعند مالك أن المحارب إذا قتل فلا بد من قتله وليس للإمام تخيير في قطعه ولا في نفيه ، وإنما التخيير في قتله أو صلبه ، وأما إن أخذ المال ولم يقتل فلا تخيير في نفيه ، وإنما التخيير في قتله أو صلبه أو قطعه من خلاف . وأما إذا أخاف السبيل فقط ، فالإمام مخير في قتله أو صلبه أو قطعه أو نفيه . . ومعنى التخيير عند
في ظلال القرآن — صفحة 879 | سيد قطب