تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 861

مساهمون:

ص٨٦١
وحين يبلغ السياق هذا الموضع من استعراض موقف اليهود والنصارى من ميثاقهم مع اللّه . . وجهوا الخطاب لأهل الكتاب جميعا . . هؤلاء وهؤلاء . . لإعلانهم برسالة خاتم النبيين ؛ وأنها جاءت إليهم - كما جاءت للعرب الأميين ، وللناس أجمعين . فهم مخاطبون بها ، مأمورون باتباع الرسول الأخير - وهذا طرف من ميثاق اللّه معهم كما سلف - وأن هذا الرسول الأخير قد جاء يكشف لهم عن كثير مما كانوا يخفونه من الكتاب الذي بين أيديهم ؛ والذي استحفظوا عليه فنقضوا عهدهم مع اللّه فيه ؛ ويعفو كذلك عن كثير مما أخفوه ، ولم تعد هناك ضرورة له في الشريعة الجديدة . . ثم يتعرض لبعض الانحرافات التي جاء الرسول الأخير ليقومها في معتقداتهم : كقول النصارى : إن المسيح عيسى بن مريم هو اللّه . وكقولهم هم واليهود نحن أبناء اللّه وأحباؤه . . ويختم هذا النداء بأنه لن تكون لهم حجة عند اللّه بعد الرسالة الكاشفة المبينة المنيرة ؛ ولن يكون لهم أن يقولوا : إنه مرت عليهم فترة طويلة بعد الرسالات فنسوا ولبس الأمر عليهم :
« يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ . قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ ، يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ ؛ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ ، وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ . . لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا : إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ . قُلْ : فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ؟ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما ، يَخْلُقُ ما يَشاءُ ، وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . . وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى : نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ . قُلْ : فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ ؟ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ، يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ ؛ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما ، وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ . . يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ - عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ - أَنْ تَقُولُوا : ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ . فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ . وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ »
. . لقد كان أهل الكتاب يستكثرون أن يدعوهم إلى الإسلام نبي ليس منهم . . نبي من الأميين الذين كانوا يتعالون عليهم من قبل ويتعالمون ؛ لأنهم هم أهل الكتاب وهؤلاء أميون ! فلما أراد اللّه الكرامة لهؤلاء الأميين بعث منهم خاتم النبيين ، وجعل فيهم الرسالة الأخيرة ، الشاملة للبشر أجمعين . وعلم هؤلاء الأميين ، فإذا هم أعلم أهل الأرض ؛ وأرقاهم تصورا واعتقادا ؛ وأقومهم منهجا وطريقا ، وأفضلهم شريعة ونظاما ، وأصلحهم مجتمعا وأخلاقا . . وكان هذا كله من فضل اللّه عليهم ؛ ومن إنعامه بهذا الدين وارتضائه لهم . . وما كان للأميين أن يكونوا أوصياء على هذه البشرية لولا هذه النعمة ؛ وما كان لهم - وليس لهم بعد - من زاد يقدمونه للبشرية إلا ما يزودهم به هذا الدين . . وفي هذا النداء الإلهي لأهل الكتاب ، يسجل عليهم أنهم مدعوون إلى الإسلام . مدعوون للإيمان بهذا الرسول ونصره وتأييده ، كما أخذ عليهم ميثاقه . ويسجل عليهم شهادته - سبحانه - بأن هذا النبي الأمي هو رسوله إليهم - كما أنه رسول إلى العرب ، وإلى الناس كافة - فلا مجال لإنكار رسالته من عند اللّه أولا ؛ ولا مجال للادعاء بأن رسالته مقتصرة على العرب ، أو ليست موجهة إلى أهل الكتاب ثانيا :
« يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا ، يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ »
. . فهو رسول اللّه إليكم . ودوره معكم أن يبين لكم ويوضح ويكشف ، ما تواطأتم على إخفائه من حقائق كتاب اللّه الذي معكم . . سواء في ذلك اليهود والنصارى . . وقد أخفى النصارى الأساس الأول للدين . . التوحيد . . وأخفى اليهود كثيرا من أحكام الشريعة ؛ كرجم الزاني ، وتحريم الربا كافة . كما أخفوا جميعا خبر بعثة النبي الأمي
« الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ »
. . كما أنه - صلى اللّه عليه وسلم - يعفو عن