تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 860

مساهمون:

ص٨٦٠
بعقدها . فيفي لها اللّه بوعده من التمكين في الأرض ومن القيادة للبشر والشهادة على الناس . . وإلا بقيت هكذا ذيلا للقافلة . . وعد اللّه لا يخلف اللّه وعده . . ولقد كان توجيه اللّه لنبيه في ذلك الحين الذي نزلت فيه هذه الآية :
« فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ »
. . والعفو عن قبائحهم إحسان ، والصفح عن خيانتهم إحسان . . ولكن جاء الوقت الذي لم يعد فيه للعفو والصفح مكان . فأمر اللّه نبيه - صلى اللّه عليه وسلم - أن يجليهم عن المدينة . ثم أن يأمر بإجلائهم عن الجزيرة كلها . وقد كان . . كذلك يقص اللّه - سبحانه - على نبيه - صلى اللّه عليه وسلم - وعلى الجماعة المسلمة ، أنه أخذ ميثاق الذين قالوا : إنا نصارى ، من أهل الكتاب . ولكنهم نقضوا ميثاقهم كذلك . فنالهم جزاء هذا النقض للميثاق :
« وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا : إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ ؛ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ؛ فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ . وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ »
. ونجد هنا تعبيرا خاصا ذا دلالة خاصة :
« وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا : إِنَّا نَصارى »
. . ودلالة هذا التعبير : أنهم قالوها دعوى ، ولم يحققوها في حياتهم واقعا . . ولقد كان أساس هذا الميثاق هو توحيد اللّه . وهنا كانت نقطة الانحراف الأصلية في خط النصرانية التاريخي . وهذا هو الحظ الذي نسوه مما ذكروا به ؛ ونسيانه هو الذي قاد بعد ذلك إلى كل انحراف . كما أن نسيانه هو الذي نشأ من عنده الخلاف بين الطوائف والمذاهب والفرق ، التي لا تكاد تعد . في القديم وفي الحديث ( كما سنبين إجمالا بعد قليل ) . وبينها ما بينها من العداوة والبغضاء ما يخبرنا اللّه سبحانه أنه باق فيهم إلى يوم القيامة . . جزاء وفاقا على نقض ميثاقهم معه ، ونسيانهم حظا مما ذكروا به . . ويبقى جزاء الآخرة عندما ينبئهم اللّه بما كانوا يصنعون ؛ وعندما يجزيهم وفق ما ينبئهم به مما كانوا يصنعون ! ولقد وقع بين الذين قالوا : إنا نصارى من الخلاف والشقاق والعداوة والبغضاء في التاريخ القديم والحديث مصداق ما قصه اللّه - سبحانه - في كتابه الصادق الكريم ؛ وسال من دمائهم على أيدي بعضهم البعض ما لم يسل من حروبهم مع غيرهم في التاريخ كله . سواء كان ذلك بسبب الخلافات الدينية حول العقيدة ؛ أو بسبب الخلافات على الرئاسة الدينية ؛ أو بسبب الخلافات السياسية والاقتصادية والاجتماعية . وفي خلال القرون الطويلة لم تسكن هذه العداوات والخلافات ولم تخمد هذه الحروب والجراحات . . وهي ماضية إلى يوم القيامة كما قال أصدق القائلين ، جزاء على نقضهم ميثاقهم ، ونسيانهم حظا مما ذكروا به من عهد اللّه ، وأول بند فيه هو بند التوحيد ، الذي انحرفوا عنه بعد فترة من وفاة المسيح عليه السلام . لأسباب لا مجال هنا لعرضها بالتفصيل « 1 » .
هامش
( 1 ) يراجع كتاب : « محاضرات في النصرانية » للأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة . كما يراجع الجزء الثالث من الظلال ص 365 - ص 366