قاعدة الرسالة كلها ودعوة الرسل جميعا ؛ قبل أن يحرفها الأتباع ، وتشوهها الأجيال . . يجب أن ننظر إليها بوصفها ميلادا جديدا للإنسان ؛ تتوافر له معه الكرامة والحرية ، والعدل والصلاح ، والخروج من عبادة العباد إلى عبادة اللّه وحده في الشعائر وفي نظام الحياة سواء .
والذين يستنكفون من العبودية للّه ، يذلون لعبوديات في هذه الأرض لا تنتهي . . يذلون لعبودية الهوى والشهوة . أو عبودية الوهم والخرافة . ويذلون لعبودية البشر من أمثالهم ، ويحنون لهم الجباه . ويحكمون في حياتهم وأنظمتهم وشرائعهم وقوانينهم وقيمهم وموازينهم عبيدا مثلهم من البشر هم وهم سواء أمام اللّه . .
ولكنهم يتخذونهم آلهة لهم من دون اللّه . . هذا في الدنيا . . أما في الآخرة
« فَيُعَذِّبُهُمْ عَذاباً أَلِيماً ، وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً »
. .
إنها القضية الكبرى في العقيدة السماوية تعرضها هذه الآية في هذا السياق في مواجهة انحراف أهل الكتاب من النصارى في ذلك الزمان . وفي مواجهة الانحرافات كلها إلى آخر الزمان . .
ومن ثم دعوة إلى الناس كافة - كتلك الدعوة التي أعقبت المواجهة مع أهل الكتاب من اليهود في الدرس الماضي - أن الرسالة الأخيرة تحمل برهانها من اللّه . وهي نور كاشف للظلمات والشبهات . فمن اهتدى بها واعتصم باللّه فسيجد رحمة اللّه تؤويه ؛ وسيجد فضل اللّه يشمله ؛ وسيجد في ذلك النور والهدى إلى صراط اللّه المستقيم :
« يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ ؛ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً . فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ ، وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً »
. .
وهذا القرآن يحمل برهانه للناس من رب الناس .
« يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ »
.
إن طابع الصنعة الربانية ظاهر فيه ؛ يفرقه عن كلام البشر وعن صنع البشر . . في مبناه وفي فحواه سواء .
وهي قضية واضحة يدركها أحيانا من لا يفهمون من العربية حرفا واحدا ، بصورة تدعو إلى العجب .
كنا على ظهر الباخرة في عرض الأطلنطي في طريقنا إلى نيويورك ، حينما أقمنا صلاة الجمعة على ظهر المركب . .
ستة من الركاب المسلمين من بلاد عربية مختلفة وكثير من عمال المركب أهل النوبة . وألقيت خطبة الجمعة متضمنة آيات من القرآن في ثناياها . وسائر ركاب السفينة من جنسيات شتى متحلقون يشاهدون ! وبعد انتهاء الصلاة جاءت إلينا - من بين من جاء يعبر لنا عن تأثره العميق بالصلاة الإسلامية - سيدة يوغسلافية فارة من الشيوعية إلى الولايات المتحدة ! جاءتنا وفي عينيها دموع لا تكاد تمسك بها وفي صوتها رعشة . وقالت لنا في إنجليزية ضعيفة : أنا لا أملك نفسي من الإعجاب البالغ بالخشوع البادي في صلاتكم . .
ولكن ليس هذا ما جئت من أجله . . إنني لا أفهم من لغتكم حرفا واحدا . غير أنني أحس أن فيها إيقاعا موسيقيا لم أعهده في أية لغة . . ثم . . إن هناك فقرات مميزة في خطبة الخطيب . هي أشد إيقاعا . ولها سلطان خاص على نفسي ! ! ! وعرفت طبعا أنها الآيات القرآنية ، المميزة الإيقاع ذات السلطان الخاص ! لا أقول : إن هذه قاعدة عند كل من يسمع ممن لا يعرفون العربية . . ولكنها ولا شك ظاهرة ذات دلالة !