تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 808

مساهمون:

ص٨٠٨
فهذا هو الذي يقول اللّه عنه :
« أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ؟ »
ويرتب عليه صفة الكفر ، ويرتب عليه كذلك العقاب . . فإذا قرر اللّه - سبحانه - حقيقة في أمر الكون ، أو أمر الإنسان ، أو أمر الخلائق الأخرى . أو إذا قرر أمرا في الفرائض ، أو في النواهي . . فهذا الذي قرره اللّه واجب القبول والطاعة ممن يبلغ إليه . متى أدرك المدلول المراد منه . . إذا قال اللّه سبحانه
« اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ »
. .
« أَ وَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ »
. .
« وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ »
. .
« خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ ، وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ »
. . إلى آخر ما قال - سبحانه - عن طبيعة الكون والكائنات والأحياء والأشياء . . فالحق هو ما قال . وليس للعقل أن يقول - بعد أن يفهم مدلول النصوص والمقررات التي تنشئها - إنني لا أجد هذا في مقرراتي ، أو في علمي ، أو في تجاربي . . فكل ما يبلغه العقل في هذا معرض للخطإ والصواب . وما قرره اللّه - سبحانه - لا يحتمل إلا الحق والصواب . وإذا قال اللّه سبحانه :
« وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ »
. .
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ . فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ »
. .
« وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى . . . »
. .
« وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ . . »
. . إلى آخر ما قال في شأن منهج الحياة البشرية فالحق هو ما قال - سبحانه - وليس للعقل أن يقول : ولكنني أرى المصلحة في كذا وكذا مما يخالف عن أمر اللّه ، أو فيما لم يأذن به اللّه ولم يشرعه للناس . . فما يراه العقل مصلحة يحتمل الخطأ والصواب ، وتدفع إليه الشهوات والنزوات . . وما يقرره اللّه - سبحانه - لا يحتمل إلا الصحة والصلاح . . وما قرره اللّه سبحانه من العقائد والتصورات ، أو من منهج الحياة ونظامها ، سواء في موقف العقل إزاءه . . متى صح النص ، وكان قطعي الدلالة ؛ ولم يوقت بوقت . . فليس للعقل أن يقول : آخذ في العقائد والشعائر التعبدية ؛ ولكني أرى أن الزمن قد تغير في منهج الحياة ونظامها . . فلو شاء اللّه أن يوقت مفعول النصوص لوقته . فما دام النص مطلقا فإنه يستوي زمان نزوله وآخر الزمان . . احترازا من الجرأة على اللّه ، ورمي علمه بالنقص والقصور - سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا . . إنما يكون الاجتهاد في تطبيق النص العام على الحالة الجزئية ؛ لا في قبول المبدأ العام أو رفضه ، تحت أي مقولة من مقولات العقل في جيل من الأجيال ! وليس في شيء من هذا الذي نقرره انتقاص من قيمة العقل ودوره في الحياة البشرية . . فإن المدى أمامه واسع في تطبيق النصوص على الحالات المتجددة - بعد أن ينضبط هو بمنهج النظر وموازينه المستقاة من دين اللّه وتعليمه الصحيح - والمدى أمامه أوسع في المعرفة بطبيعة هذا الكون وطاقاته وقواه ومدخراته ؛ وطبيعة الكائنات فيه والأحياء ؛ والانتفاع بما سخر اللّه له من هذا الكون ومن هذه الكائنات والأحياء ؛ وتنمية الحياة وتطويرها وترقيتها - في حدود منهج اللّه - لا كما تبتغي الشهوات والأهواء التي تضل العقل وتغطي الفطرة بالركام « 1 » ! . ونقف من هذه اللفتة :
« لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ »
وقفة أخرى :
هامش
( 1 ) يراجع كذلك فصل « الربانية » في كتاب : « خصائص التصور الإسلامي ومقوماته » القسم الأول منه « دار الشروق » .
في ظلال القرآن — صفحة 808 | سيد قطب