تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 806

مساهمون:

ص٨٠٦
عزيزا : قادرا على أخذ العباد بما كسبوا . حكيما : يدبر الأمر كله بالحكمة ويضع كل أمر في نصابه . . والقدرة والحكمة لهما عملهما فيما قدره اللّه في هذا الأمر وارتضاه . . ونقف من هذه اللفتة :
« لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ »
أمام حشد من الإيحاءات اللطيفة العميقة ونختار منه ثلاثا على سبيل الاختصار الذي لا يخرج بنا من الظلال . نقف منها : أولا : أمام قيمة العقل البشري ووظيفته ودوره في أخطر قضايا « الإنسان » قضية الإيمان باللّه ؛ التي تقوم عليها حياته في الأرض من جذورها ؛ بكل مقوماتها واتجاهاتها وواقعياتها وتصرفاتها ؛ كما يقوم عليها مآله في الآخرة وهي أكبر وأبقى . لو كان اللّه - سبحانه - وهو أعلم بالإنسان وطاقاته كلها ، يعلم أن العقل البشري ، الذي وهبه للإنسان ، هو حسب هذا الإنسان في بلوغ الهدى لنفسه والمصلحة لحياته ، في دنياه وآخرته ، لوكله إلى هذا العقل وحده ؛ يبحث عن دلائل الهدى وموحيات الإيمان في الأنفس والآفاق ، ويرسم لنفسه كذلك المنهج الذي تقوم عليه حياته ، فتستقيم على الحق والصواب ؛ ولما أرسل إليه الرسل على مدى التاريخ ؛ ولما جعل حجته على عباده هي رسالة ، الرسل إليهم ؛ وتبليغهم عن ربهم ؛ ولما جعل حجة الناس عنده - سبحانه - هي عدم مجيء الرسل إليهم :
« لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ »
. . ولكن لما علم اللّه - سبحانه - أن العقل الذي آتاه للإنسان أداة قاصرة بذاتها عن الوصول إلى الهدى - بغير توجيه من الرسالة وعون وضبط - وقاصرة كذلك عن رسم منهج للحياة الإنسانية يحقق المصلحة الصحيحة لهذه الحياة ؛ وينجي صاحبه من سوء المآل في الدنيا والآخرة . . لما علم اللّه - سبحانه - هذا شاءت حكمته وشاءت رحمته أن يبعث للناس بالرسل ، وألا يؤاخذ الناس إلا بعد الرسالة والتبليغ :
« وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا »
. . وهذه تكاد تكون إحدى البديهيات التي تبرز من هذا النص القرآني . . فإن لم تكن بديهية فهي إحدى المقتضيات الحتمية . . إذن . . ما هي وظيفة هذا العقل البشري ؛ وما هو دوره في قضية الإيمان والهدى ؛ وفي قضية منهج الحياة ونظامها ؟ إن دور هذا العقل أن يتلقى عن الرسالة ؛ ووظيفته أن يفهم ما يتلقاه عن الرسول . ومهمة الرسول أن يبلغ ، ويبين ، ويستنقذ الفطرة الإنسانية مما يرين عليها من الركام . وينبه العقل الإنساني إلى تدبر دلائل الهدى وموحيات الإيمان في الأنفس والآفاق ؛ وأن يرسم له منهج التلقي الصحيح ، ومنهج النظر الصحيح ؛ وأن يقيم له القاعدة التي ينهض عليها منهج الحياة العملية ، المؤدي إلى خير الدنيا والآخرة . وليس دور العقل أن يكون حاكما على الدين ومقرراته من حيث الصحة والبطلان ، والقبول أو الرفض - بعد أن يتأكد من صحة صدورها عن اللّه ؛ وبعد أن يفهم المقصود بها : أي المدلولات اللغوية والاصطلاحية للنص - ولو كان له أن يقبلها أو يرفضها - بعد إدراك مدلولها ، لأنه هو لا يوافق على هذا المدلول ! أو لا يريد أن يستجيب له - ما استحق العقاب من اللّه على الكفر بعد البيان . . فهو إذن ملزم بقبول مقررات الدين متى بلغت إليه عن طريق صحيح ، ومتى فهم عقله ما المقصود بها وما المراد منها . . إن هذه الرسالة تخاطب العقل . . بمعنى أنها توقظه ، وتوجهه ، وتقيم له منهج النظر الصحيح . . لا بمعنى أنه هو الذي يحكم بصحتها أو بطلانها ، وبقبولها أو رفضها . ومتى ثبت النص كان هو الحكم ؛ وكان على العقل البشري أن يقبله ويطيعه وينفذه ؛ سواء كان مدلوله مألوفا له أو غريبا عليه . .