تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 798

مساهمون:

ص٧٩٨
لذلك عبر السياق هنا عمن يريدون التفرقة بين اللّه ورسله ( بأن يؤمنوا باللّه ويكفروا بالرسل ) وعمن يريدون التفرقة بين الرسل ( بأن يؤمنوا ببعضهم ويكفروا ببعضهم ) عبر عن هؤلاء وهؤلاء بأنهم
« الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ »
، وعد تفرقتهم بين اللّه ورسله ، وتفرقتهم بين بعض رسله وبعض ، كفرا باللّه وبرسله . إن الإيمان وحدة لا تتجزأ . . الإيمان باللّه إيمان بوحدانيته - سبحانه - ووحدانيته تقتضي وحدة الدين الذي ارتضاه للناس لتقوم حياتهم كلها - كوحدة - على أساسه . ويقتضي وحدة الرسل الذين جاءوا بهذا الدين من عنده - لا من عند أنفسهم ولا في معزل عن إرادته ووحيه - ووحدة الموقف تجاههم جميعا . . ولا سبيل إلى تفكيك هذه الوحدة . إلا بالكفر المطلق ؛ وإن حسب أهله أنهم يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض ! وكان جزاؤهم عند اللّه أن أعد لهم العذاب المهين . . أجمعين . .
« أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا ، وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً »
. . أما « المسلمون » فهم الذين يشتمل تصورهم الاعتقادي على الإيمان باللّه ورسله جميعا ؛ بلا تفرقة . فكل الرسل عندهم موضع اعتقاد واحترام ؛ وكل الديانات السماوية عندهم حق - ما لم يقع فيها التحريف فلا تكون عندئذ من دين اللّه ، وإن بقي فيها جانب لم يحرف ، إذ أن الدين وحدة - وهم يتصورون الأمر - كما هو في حقيقته - : إلها واحدا ، ارتضى للناس دينا واحدا ؛ ووضع لحياتهم منهجا واحدا ، وأرسل رسله إلى الناس بهذا الدين الواحد وهذا المنهج الواحد . وموكب الإيمان - في حسهم - موصول ، يقوده نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد وإخوانهم من الرسل - صلوات اللّه وسلامه عليهم جميعا - ونسبهم هم إلى هذا الموكب الموصول عريق ؛ وهم حملة هذه الأمانة الكبرى ، وهم ورثة هذا الخير الموصول على طول الطريق المبارك . . لا تفرقة ولا عزلة ولا انفصام . . وإليهم وحدهم انتهى ميراث الدين الحق . وليس وراء ما عندهم إلا الباطل والضلال . وهذا هو « الإسلام » الذي لا يقبل اللّه غيره من أحد . وهؤلاء هم « المسلمون » الذين يستحقون الأجر من اللّه على ما عملوا ، ويستحقون منه المغفرة والرحمة فيما قصروا فيه :
« أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ ، وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً »
. . والإسلام إنما يتشدد هذا التشدد في توحيد العقيدة في اللّه ورسله ، لأن هذا التوحيد هو الأساس اللائق بتصور المؤمن لإلهه - سبحانه - كما أنه هو الأساس اللائق بوجود منظم ، غير متروك للتعدد والتصادم . ولأنه هو العقيدة اللائقة بإنسان يرى وحدة الناموس في هذا الوجود أينما امتد بصره . ولأنه هو التصور الكفيل بضم المؤمنين جميعا في موكب واحد ، يقف أمام صفوف الكفر ، وفي حزب واحد يقف أمام أحزاب الشيطان . . ولكن هذا الصف الواحد ليس هو صف أصحاب الاعتقادات المحرفة - ولو كان لها أصل سماوي - إنما هو صف أصحاب الإيمان الصحيح والعقيدة التي لم يدخلها انحراف . . ومن ثم كان « الإسلام » هو « الدين » . وكان « المسلمون »
« خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ »
المسلمون المعتقدون عقيدة صحيحة ، العاملون بهذه العقيدة . لا كل من ولد في بيت مسلم ، ولا كل من لاك لسانه كلمة الإسلام ! وفي ظل هذا البيان يبدو الذين يفرقون بين اللّه ورسله ، ويفرقون بين بعض الرسل وبعض ، منقطعين عن موكب الإيمان ، مفرقين للوحدة التي جمعها اللّه ، منكرين للوحدانية التي يقوم عليها الإيمان باللّه .