تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 797

مساهمون:

ص٧٩٧
بأخلاق اللّه سبحانه فيما يملكون وما يستطيعون :
« إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ ، فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً »
. . وهكذا يرتفع المنهج التربوي بالنفس المؤمنة والجماعة المسلمة درجة أخرى . . في أول درجة يحدثهم عن كراهة اللّه - سبحانه - للجهر بالسوء . ويرخص لمن وقع عليه الظلم أن ينتصف أو يطلب النصف ، بالجهر بالسوء فيمن ظلمه ، ومما وقع عليه من الظلم . . وفي الدرجة الثانية يرتفع بهم جميعا إلى فعل الخير ؛ ويرتفع بالنفس التي ظلمت - وهي تملك أن تنتصف من الظلم بالجهر - أن تعفو وتصفح - عن مقدرة فلا عفو بغير مقدرة - فترتفع على الرغبة في الانتصاف إلى الرغبة في السماحة ؛ وهي أرفع وأصفى . . عندئذ يشيع الخير في المجتمع المسلم إذا أبدوه . ويؤدي دوره في تربية النفوس وتزكيتها إذا أخفوه - فالخير طيب في السر طيب في العلن - وعندئذ يشيع العفو بين الناس ، فلا يكون للجهر بالسوء مجال . على أن يكون عفو القادر الذي يصدر عن سماحة النفس لا عن مذلة العجز ؛ وعلى أن يكون تخلقا بأخلاق اللّه ، الذي يقدر ويعفو :
« فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً »
. بعد ذلك يأخذ السياق في جولة مع
« الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ »
بصفة عامة ! ثم ينتقل منها إلى اليهود في شوط ، وإلى النصارى في الشوط الآخر . . واليهود يجهرون بالسوء - إفكا وبهتانا - على مريم وعلى عيسى - ويأتي ذكر هذا الجهر في ثنايا الجولة ؛ فترتبط هذه الجولة بذلك البيان الذي تتضمنه الآيتان السابقتان في السياق . والجولة كلها طرف من المعركة التي خاضها القرآن مع أعداء الجماعة المسلمة في المدينة . والتي سلفت منها في هذه السورة وفي سورتي البقرة وآل عمران أطراف أخرى . . فنأخذ في استعراضها هنا كما وردت في السياق القرآني :
« إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ؛ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ ؛ وَيَقُولُونَ : نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ ؛ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا . أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا ، وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً . وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ، وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ ، أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ ؛ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً »
. لقد كان اليهود يدعون الإيمان بأنبيائهم ؛ وينكرون رسالة عيسى ورسالة محمد ؛ كما كان النصارى يقفون بإيمانهم عند عيسى - فضلا عن تأليهه - وينكرون رسالة محمد كذلك . وكان القرآن ينكر على هؤلاء وهؤلاء ؛ ويقرر التصور الإسلامي الشامل الكامل عن الإيمان باللّه ورسوله ؛ بدون تفريق بين اللّه ورسله ؛ وبدون تفريق كذلك بين رسله جميعا . وبهذا الشمول كان الإسلام هو « الدين » الذي لا يقبل اللّه من الناس غيره ، لأنه هو الذي يتفق مع وحدانية اللّه ؛ ومقتضيات هذه الوحدانية . إن التوحيد المطلق للّه سبحانه يقتضي توحيد دينه الذي أرسل به الرسل للبشر ، وتوحيد رسله الذين حملوا هذه الأمانة للناس . . وكل كفر بوحدة الرسل أو وحدة الرسالة هو كفر بوحدانية اللّه في الحقيقة ؛ وسوء تصور لمقتضيات هذه الوحدانية . فدين اللّه للبشر ومنهجه للناس ، هو هولا يتغير في أساسه كما أنه لا يتغير في مصدره .