تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 775

مساهمون:

ص٧٧٥
على المؤمنين سبيلا ، وذلك مع رسم الصور البشعة للمنافقين في الدنيا وفي الآخرة . وتقرير أن مكانهم في الدرك الأسفل من النار . وهذه التوجيهات والتحذيرات - بهذا الأسلوب - تشي بطريقة المنهج في علاج النفوس والأوضاع ؛ وتغيير الواقع في حدود الطاقة والملابسات القائمة كذلك ، حتى ينتهي إلى تغييره نهائيا ؛ وإقامة « واقع » آخر جديد . كما تشي بحالة الجماعة المسلمة حينذاك وموقفها من جبهة الكفر وجبهة النفاق المتعاونتين في حرب الجماعة المسلمة والدين الجديد . ومن خلال هذه وتلك تتبين طبيعة المعركة التي كان القرآن يخوض بها الجماعة المسلمة ، وطبيعة الأساليب المنهجية في قيادته للمعركة وللنفوس . . وهي المعركة الدائمة المتصلة بين الإسلام والجاهلية في كل زمان وكل مكان . وبين الجماعة المسلمة وأعدائها الذين تتغير أشخاصهم ووسائلهم ولكن لا تتغير طبيعتهم ومبادئهم . ومن خلال هذا كله تبرز حقيقة هذا الكتاب . . القرآن . . ودوره في قيادة الأمة المسلمة . ليس بالأمس فقط - فما جاء ليقود جيلا دون جيل . إنما جاء ليقود هذه الأمة ، وليكون مرشدها وهاديها ، في جميع الأجيال والدهور . . وفي نهاية الدرس تجيء تلك اللفتة العجيبة إلى استغناء اللّه - سبحانه - عن تعذيب العباد . . فهو لا يطلب منهم إلا أن يؤمنوا ويشكروا . وهو سبحانه غني عن إيمانهم وشكرهم . ولكن ذلك إنما هو لصلاح حالهم ، وارتقاء مستواهم ؛ حتى يتأهلوا لحياة الآخرة ، ومستوى النعيم في الجنة . فإذا هم ارتكسوا وانتكسوا فإنما يؤهلون أنفسهم لمستوى العذاب في الجحيم . حيث يسقط المنافقون إلى أحط الدركات
« فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ »
. .
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ - وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ - إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما ؛ فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا . وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً »
. . إنه نداء للذين آمنوا . نداء لهم بصفتهم الجديدة . وهي صفتهم الفريدة . صفتهم التي بها أنشئوا نشأة أخرى ؛ وولدوا ميلادا آخر . ولدت أرواحهم ، وولدت تصوراتهم ، وولدت مبادئهم وأهدافهم ، وولدت معهم المهمة الجديدة التي تناط بهم ، والأمانة العظيمة التي وكلت إليهم . . أمانة القوامة على البشرية ، والحكم بين الناس بالعدل . . ومن ثم كان للنداء بهذه الصفة قيمته وكان له معناه :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا . . . »
فبسبب من اتصافهم بهذه الصفة ، كان التكليف بهذه الأمانة الكبرى . وبسبب من اتصافهم بهذه الصفة كان التهيؤ والاستعداد للنهوض بهذه الأمانة الكبرى . . وهي لمسة من لمسات المنهج التربوي الحكيم ؛ تسبق التكليف الشاق الثقيل :
« كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ ، شُهَداءَ لِلَّهِ - وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ . إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما »
. . إنها أمانة القيام بالقسط . . بالقسط على إطلاقه . في كل حال وفي كل مجال . القسط الذي يمنع البغي والظلم - في الأرض - والذي يكفل العدل - بين الناس - والذي يعطي كل ذي حق حقه من المسلمين وغير المسلمين . . ففي هذا الحق يتساوى عند اللّه المؤمنون وغير المؤمنين - كما رأينا في قصة اليهودي - ويتساوى الأقارب والأباعد . ويتساوى الأصدقاء والأعداء . ويتساوى الأغنياء والفقراء . .