تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 774

مساهمون:

ص٧٧٤
كذلك - في الوقت ذاته - ترتسم فيها حال الجماعة المسلمة الأولى ، المخاطبة بهذا القرآن ؛ وتبرز من بين السطور صورة لهذه الجماعة إذ ذاك - كما هي - بكل ما فيها من بشرية . وبكل ما في بشريتها من ضعف وقوة ؛ ومن رواسب جاهلية ومشاعر فطرية . . وتبرز كذلك طريقة المنهج في علاجها وتقويتها وتثبيتها على الحق الذي تمثلة ؛ بكل ما في وقفتها مع الحق من جهد وتضحية . ويبدأ الدرس بنداء الجماعة المؤمنة إلى النهوض بتكاليف دورها ، في إقامة العدل بين الناس على النحو الفريد الذي لم يقم إلا على يد هذه الجماعة - العدل الذي تتعامل فيه الجماعة مع اللّه مباشرة ؛ متخلصة من كل عاطفة أو هوى أو مصلحة - بما في ذلك ما يسمى مصلحة الجماعة أو الأمة أو الدولة ! - متجردة من كل اعتبار آخر غير تقوى اللّه ومرضاته . . العدل الذي رأينا نموذجا منه في الدرس العملي الذي ألقاه اللّه - سبحانه - بذاته العلية على النبي - صلى اللّه عليه وسلم - وعلى الجماعة المسلمة في حادث اليهودي الذي سلف ذكره . يبدأ الدرس بنداء الذين آمنوا ليقيموا هذا العدل . . بصورته هذه . . ومنزّل هذا القرآن يعلم حقيقة المجاهدة الشاقة ، التي تتكلفها إقامة العدل على هذا النحو . وفي النفس البشرية ضعفها المعروف ، وعواطفها تجاه ذاتها وتجاه الأقارب ؛ وتجاه الضعاف من المتقاضين وتجاه الأقوياء أيضا . تجاه الوالدين والأقربين ، وتجاه الفقير والغني ؛ تجاه المودة وتجاه الشنآن . . ويعلم أن التجرد من هذا كله يحتاج إلى جهاد شاق . جهاد للصعود إلى هذه القمة على سفوح ملساء ! لا تتعلق فيها النفس بشيء إلا بحبل اللّه . ثم يدعوهم دعوة ثانية إلى الإيمان بعناصر الإيمان الشامل . باللّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر . ولكل عنصر من هذه العناصر قيمته في تكوين العقيدة الإيمانية ؛ وقيمته في تكوين التصور الإسلامي ، المتفوق على جميع التصورات الأخرى ، التي عرفتها البشرية - قبل الإسلام وبعده - وهو ذاته التفوق الذي انبعث منه كل تفوق آخر أخلاقي أو اجتماعي أو تنظيمي ، في حياة الجماعة المسلمة الأولى . والذي يحمل عنصر التفوق دائما لكل جماعة تؤمن به حقا وتعمل بمقتضياته كاملة إلى أن يرث اللّه الأرض ومن عليها . حيث تحق كلمة اللّه - في هذا الدرس نفسه -
« وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا »
. . وبعد هذين النداءين يأخذ السياق في حملة منوعة الأساليب على المنافقين - من بقي منهم على حالة النفاق ، ومن أعلن كفره بعد إعلان إسلامه - حملة يصور فيها طبيعة المنافقين ، ويرسم لهم فيها صورا زرية ، من واقع ما يقومون به في الصف المسلم ؛ ومن واقع مواقفهم المتلونة حسب الظروف . وهم يلقون المسلمين - إذا انتصروا - بالملق والنفاق . ويلقون الذين كفروا - إذا انتصروا كذلك - بدعواهم أنهم سبب انتصارهم ! وهم يقومون للصلاة كسالى يراءون الناس . وهم مذبذبون بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء . وترد في ثنايا هذه الحملة توجيهات للمؤمنين وتحذيرات . تدل على مدى ما كان لأفاعيل المنافقين في الصف المسلم - حينذاك - من آثار ، وعلى مدى ضخامة الجبهة المنافقة وتغلغلها في حياة الجماعة المسلمة ؛ مما استدعى هذه الحملة ، مع مراعاة « الواقع » يومئذ ، وأخذ المسلمين خطوة خطوة في الابتعاد عن المنافقين واجتنابهم . من ذلك أمرهم باجتناب مجالس المنافقين التي يتداولون فيها الكفر بآيات اللّه والاستهزاء بها . ولم يأمرهم - حينذاك - بمقاطعة المنافقين البتة . مما يدل على أن جبهة النفاق كانت ضخمة ومتغلغلة بصورة يصعب فيها على المسلمين مقاطعتهم ! كذلك ترد في ثناياها تحذيرات للمسلمين من سمات النفاق ومقدماته ؛ كيلا يقعوا فيها . وأخصها موالاة الكافرين ، وابتغاء العزة عندهم ، والقوة بهم ! وتأمينهم بأن العزة للّه جميعا ، وبأن اللّه لن يجعل للكافرين