تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 600

مساهمون:

ص٦٠٠
16 - فدلت سنته العملية على أن هذا هو الحكم الأخير :
« وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما . فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّاباً رَحِيماً »
. والأوضح أن المقصود بقوله تعالى :
« وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ . . . »
هما الرجلان يأتيان الفاحشة الشاذة . وهو قول مجاهد - رضي اللّه عنه - وقال ابن عباس وسعيد بن جبير وغيرهما :
« فَآذُوهُما »
: هو الشتم والتعيير والضرب بالنعال !
« فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما »
. . فالتوبة والإصلاح - كما سيأتي - تعديل أساسي في الشخصية والكينونة والوجهة والطريق والعمل والسلوك . ومن ثم تقف العقوبة ، وتكف الجماعة عن إيذاء هذين المنحرفين الشاذين . وهذا هو الإعراض عنهما في هذا الموضع : أي الكف عن الإيذاء . والإيماءة اللطيفة العميقة :
« إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّاباً رَحِيماً »
. . وهو الذي شرع العقوبة ، وهو الذي يأمر بالكف عنها عند التوبة والإصلاح . ليس للناس من الأمر شيء في الأولى ، وليس لهم من الأمر شيء في الأخيرة . إنما هم ينفذون شريعة اللّه وتوجيهه . وهو تواب رحيم . يقبل التوبة ويرحم التائبين . واللمسة الثانية في هذه الإيماءة ، هي توجيه قلوب العباد للاقتباس من خلق اللّه والتعامل فيما بينهم بهذا الخلق . وإذا كان اللّه توابا رحيما ، فينبغي لهم أن يكونوا هم فيما بينهم متسامحين رحماء ؛ أمام الذنب الذي سلف ، وأعقبه التوبة والإصلاح . إنه ليس تسامحا في الجريمة ، وليس رحمة بالفاحشين . فهنا لا تسامح ولا رحمة . ولكن سماحة ورحمة بالتائبين المتطهرين المصلحين ، وقبولهم في المجتمع ، وعدم تذكيرهم وتعييرهم بما كان منهم من ذنب تابوا عنه ، وتطهروا منه ، وأصلحوا حالهم بعده ، فينبغي - حينئذ - مساعدتهم على استئناف حياة طيبة نظيفة كريمة ، ونسيان جريمتهم حتى لا تثير في نفوسهم التأذي كلما واجهوا المجتمع بها ؛ مما قد يحمل بعضهم على الانتكاس والارتكاس ، واللجاج في الخطيئة ، وخسارة أنفسهم في الدنيا والآخرة . والإفساد في الأرض ، وتلويث المجتمع ، والنقمة عليه في ذات الأوان . وقد عدلت هذه العقوبة كذلك - فيما بعد - فروى أهل السنن حديثا مرفوعا عن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - قال : ( قال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « من رأيتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به » ) . وتبدو في هذه الأحكام عناية المنهج الإسلامي بتطهير المجتمع المسلم من الفاحشة ؛ ولقد جاءت هذه العناية مبكرة : فالإسلام لم ينتظر حتى تكون له دولة في المدينة ، وسلطة تقوم على شريعة اللّه ، وتتولاها بالتنفيذ . فقد ورد النهي عن الزنا في سورة الإسراء المكية :
« وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا »
كما ورد في سورة المؤمنون :
« قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ »
. . .
« وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ . إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ »
. . وكرر هذا القول في سورة المعارج . ولكن الإسلام لم تكن له في مكة دولة ، ولم تكن له فيها سلطة ؛ فلم يسن العقوبات لهذه الجريمة التي نهى عنها في مكة ، إلا حين استقامت له الدولة والسلطة في المدينة ، ولم يعتبر النواهي والتوجيهات وحدها كافية