وقوانينهم ، وأن تضع لهم قيمهم وموازينهم . وهي وحدها التي يرجعون إليها وإلى منهجها وشريعتها وإلى قيمها وموازينها عند الاختلاف في شأن من هذه الشؤون ، فيرجعون إلى النهج الواحد الذي أراده اللّه رب العالمين .
2 - كما أنها توحي بأن هذه البشرية التي صدرت من إرادة واحدة ، تتصل في رحم واحدة ، وتلتقي في وشيجة واحدة ، وتنبثق من أصل واحد ، وتنتسب إلى نسب واحد :
« يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ، وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها ، وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً »
. .
ولو تذكر الناس هذه الحقيقة ، لتضاءلت في حسهم كل الفروق الطارئة ، التي نشأت في حياتهم متأخرة ، ففرقت بين أبناء « النفس » الواحدة ، ومزقت وشائج الرحم الواحدة . وكلها ملابسات طارئة ما كان يجوز أن تطغى على مودة الرحم وحقها في الرعاية ، وصلة النفس وحقها في المودة ، وصلة الربوبية وحقها في التقوى .
واستقرار هذه الحقيقة كان كفيلا باستبعاد الصراع العنصري ، الذي ذاقت منه البشرية ما ذاقت ، وما تزال تتجرع منه حتى اللحظة الحاضرة ؛ في الجاهلية الحديثة ، التي تفرق بين الألوان ، وتفرق بين العناصر ، وتقيم كيانها على أساس هذه التفرقة ، وتذكر النسبة إلى الجنس والقوم ، وتنسى النسبة إلى الإنسانية الواحدة والربوبية الواحدة .
واستقرار هذه الحقيقة كان كفيلا كذلك باستبعاد الاستعباد الطبقي السائد في وثنية الهند والصراع الطبقي ، الذي تسيل فيه الدماء أنهارا ، في الدول الشيوعية ، والذي ما تزال الجاهلية الحديثة تعتبره قاعدة فلسفتها المذهبية ، ونقطة انطلاقها إلى تحطيم الطبقات كلها ، لتسويد طبقة واحدة ، ناسية النفس الواحدة التي انبثق منها الجميع ، والربوبية الواحدة التي يرجع إليها الجميع ! 3 - والحقيقة الأخرى التي تتضمنها الإشارة إلى أنه من النفس الواحدة
« خَلَقَ مِنْها زَوْجَها »
. . كانت كفيلة - لو أدركتها البشرية - أن توفر عليها تلك الأخطاء الأليمة ، التي تردت فيها ، وهي تتصور في المرأة شتى التصورات السخيفة ، وتراها منبع الرجس والنجاسة ، وأصل الشر والبلاء . . وهي من النفس الأولى فطرة وطبعا ، خلقها اللّه لتكون لها زوجا ، وليبث منهما رجالا كثيرا ونساء ، فلا فارق في الأصل والفطرة ، إنما الفارق في الاستعداد والوظيفة . .
ولقد خبطت البشرية في هذا التيه طويلا . جردت المرأة من كل خصائص الإنسانية وحقوقها . فترة من الزمان . تحت تأثير تصور سخيف لا أصل له . فلما أن أرادت معالجة هذا الخطأ الشنيع اشتطت في الضفة الأخرى ، وأطلقت للمرأة العنان ، ونسيت أنها إنسان خلقت لإنسان ، ونفس خلقت لنفس ، وشطر مكمل لشطر ، وأنهما ليسا فردين متماثلين ، إنما هما زوجان متكاملان .
والمنهج الرباني القويم يرد البشرية إلى هذه الحقيقة البسيطة بعد ذلك الضلال البعيد . .
4 - كذلك توحي الآية بأن قاعدة الحياة البشرية هي الأسرة . فقد شاء اللّه أن تبدأ هذه النبتة في الأرض بأسرة واحدة . فخلق ابتداء نفسا واحدة ، وخلق منها زوجها . فكانت أسرة من زوجين .
« وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً »
. . ولو شاء اللّه لخلق - في أول النشأة - رجالا كثيرا ونساء ، وزوجهم ، فكانوا أسرا شتى من أول الطريق . لا رحم بينها من مبدأ الأمر . ولا رابطة تربطها إلا صدورها عن إرادة الخالق الواحد .
وهي الوشيجة الأولى . ولكنه - سبحانه - شاء لأمر يعلمه ولحكمة يقصدها ، أن يضاعف الوشائج . فيبدأ