تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 573

مساهمون:

ص٥٧٣
هذا الشوط الأول في السورة يبدأ بآية الافتتاح ، التي ترد
« النَّاسُ »
إلى رب واحد ، وخالق واحد ؛ كما تردهم إلى أصل واحد ، وأسرة واحدة ، وتجعل وحدة الإنسانية هي « النفس » ووحدة المجتمع هي الأسرة ، وتستجيش في النفس تقوى الرب ، ورعاية الرحم . . لتقيم على هذا الأصل الكبير كل تكاليف التكافل والتراحم في الأسرة الواحدة ، ثم في الإنسانية الواحدة ، وترد إليه سائر التنظيمات والتشريعات التي تتضمنها السورة . وهذا الشوط يضم من تلك التكاليف ومن هذه التشريعات ، ما يتعلق بالضعاف في الأسرة وفي الإنسانية من اليتامى ، وتنظم طريقة القيام عليهم وعلى أموالهم كما تنظم طريقة انتقال الميراث بين أفراد الأسرة الواحدة ، وأنصباء الأقرباء المتعددي الطبقات والجهات ، في الحالات المتعددة . . وهي ترد هذا كله إلى الأصل الكبير الذي تضمنته آية الافتتاح ، مع التذكير بهذا الأصل في مطالع بعض الآيات أو في ثناياها ، أو في خواتيمها ، توثيقا للارتباط بين هذه التنظيمات والتشريعات ، وبين الأصل الذي تنبثق منه ، وهو الربوبية ، التي لها حق التشريع والتنظيم ، هذا الحق الذي منه وحده ينبثق كل تشريع وكل تنظيم . * * * 1 -
« يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ، وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها ، وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً . وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ . إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً »
. . إنه الخطاب « للناس » . . بصفتهم هذه ، لردهم جميعا إلى ربهم الذي خلقهم . . والذي خلقهم
« مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ »
. .
« وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها . وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً »
. . إن هذه الحقائق الفطرية البسيطة لهي حقائق كبيرة جدا ، وعميقة جدا ، وثقيلة جدا . . ولو ألقى
« النَّاسُ »
أسماعهم وقلوبهم إليها لكانت كفيلة بإحداث تغييرات ضخمة في حياتهم ، وبنقلهم من الجاهلية - أو من الجاهليات المختلفة - إلى الإيمان والرشد والهدى ، وإلى الحضارة الحقيقية اللائقة « بالناس » و « بالنفس » واللائقة بالخلق الذي ربه وخالقه هو اللّه . . إن هذه الحقائق تجلو للقلب والعين مجالا فسيحا لتأملات شتى : 1 - إنها ابتداء تذكر
« النَّاسُ »
بمصدرهم الذي صدروا عنه ؛ وتردهم إلى خالقهم الذي أنشأهم في هذه الأرض . . هذه الحقيقة التي ينساها
« النَّاسُ »
فينسون كل شيء ! ولا يستقيم لهم بعدها أمر ! إن الناس جاءوا إلى هذا العالم بعد أن لم يكونوا فيه . . فمن الذي جاء بهم ؟ إنهم لم يجيئوا إليه بإرادتهم . فقد كانوا - قبل أن يجيئوا - عدما لا إرادة له . . لا إرادة له تقرر المجيء أو عدم المجيء . فإرادة أخرى - إذن - غير إرادتهم ، هي التي جاءت بهم إلى هنا . . إرادة أخرى - غير إرادتهم - هي التي قررت أن تخلقهم . إرادة أخرى - غير إرادتهم - هي التي رسمت لهم الطريق ، وهي التي اختارت لهم خط الحياة . . إرادة أخرى - غير إرادتهم - هي التي منحتهم وجودهم ومنحتهم خصائص وجودهم ، ومنحتهم استعداداتهم ومواهبهم ، ومنحتهم القدرة على التعامل مع هذا الكون الذي جيء بهم إليه من حيث لا يشعرون ! وعلى غير استعداد ، إلا الاستعداد الذي منحتهم إياه تلك الإرادة التي تفعل ما تريد . ولو تذكر الناس هذه الحقيقة البديهية التي يغفلون عنها لثابوا إلى الرشد من أول الطريق . . إن هذه الإرادة التي جاءت بهم إلى هذا العالم ، وخطت لهم طريق الحياة فيه ، ومنحتهم القدرة على التعامل معه ، لهي وحدها التي تملك لهم كل شيء ، وهي وحدها التي تعرف عنهم كل شيء ، وهي وحدها التي تدبر أمرهم خير تدبير . وإنها لهي وحدها صاحبة الحق في أن ترسم لهم منبع حياتهم ، وأن تشرع لهم أنظمتهم