تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 471

مساهمون:

ص٤٧١
ولكن هذا إنما جاء مع الزمن ، ومع الأحداث ، ومع التربية بالأحداث ، والتربية بالتعقيب على الأحداث . . كهذا التعقيب ، ونظائره الكثيرة ، في هذه السورة . . وفي هذه الآيات يستحضر مشهد بدر والرسول - صلى اللّه عليه وسلم - يعدهم الملائكة مددا من عند اللّه ؛ إذا هم استمسكوا بالصبر والتقوى والثبات في المعركة - حين يطلع المشركون عليهم من وجههم هذا . . ثم يخبرهم بحقيقة المصدر الفاعل - من وراء نزول الملائكة - وهو اللّه . الذي تتعلق الأمور كلها بإرادته ، ويتحقق النصر بفعله وإذنه .
« اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ »
. . « فهو العزيز » القوي ذو السلطان القادر على تحقيق النصر . وهو
« الْحَكِيمِ »
الذي يجري قدره وفق حكمته . والذي يحقق هذا النصر ليحقق من ورائه حكمة . . 127 - ثم يبين حكمة هذا النصر . . أي نصر . . وغاياته التي ليس لأحد من البشر منها شيء :
« لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا . أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ - لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ - أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ . أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ »
. . إن النصر من عند اللّه . لتحقيق قدر اللّه . وليس للرسول - صلى اللّه عليه وسلم - ولا للمجاهدين معه في النصر من غاية ذاتية ولا نصيب شخصي . كما أنه ليس له ولا لهم دخل في تحقيقه ، وإن هم إلا ستار القدرة تحقق بهم ما تشاء ! فلا هم أسباب هذا النصر وصانعوه ؛ ولا هم أصحاب هذا النصر ومستغلوه ! إنما هو قدر اللّه يتحقق بحركة رجاله ، وبالتأييد من عنده . لتحقيق حكمة اللّه من ورائه وقصده :
« لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا »
. . فينقص من عددهم بالقتل ، أو ينقص من أرضهم بالفتح ، أو ينقص من سلطانهم بالقهر ، أو ينقص من أموالهم بالغنيمة ، أو ينقص من فاعليتهم في الأرض بالهزيمة !
« أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ »
. . أي يصرفهم مهزومين أذلاء ، فيعودوا خائبين مقهورين . 128 -
« أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ »
. . فإن انتصار المسلمين قد يكون للكافرين عظة وعبرة ، وقد يقودهم إلى الإيمان والتسليم ، فيتوب اللّه عليهم من كفرهم ، ويختم لهم بالإسلام والهداية . .
« أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ »
. . يعذبهم بنصر المسلمين عليهم . أو بأسرهم . أو بموتهم على الكفر الذي ينتهي بهم إلى العذاب . . جزاء لهم على ظلمهم بالكفر ، وظلمهم بفتنة المسلمين ، وظلمهم بالفساد في الأرض ، وظلمهم بمقاومة الصلاح الذي يمثله منهج الإسلام للحياة وشريعته ونظامه . . إلى آخر صنوف الظلم الكامنة في الكفر والصد عن سبيل اللّه . وعلى أية حال فهي حكمة اللّه ، وليس لبشر منها شيء . . حتى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - يخرجه النص من مجال هذا الأمر ، ليجرده للّه وحده - سبحانه - فهو شأن الألوهية المتفردة بلا شريك . بذلك ينسلخ المسلمون بأشخاصهم من هذا النصر : من أسبابه ومن نتائجه ! وبذلك يطامنون من الكبر الذي يثيره النصر في نفوس المنتصرين ، ومن البطر والعجب والزهو الذي تنتفخ به أرواحهم وأوداجهم ! وبذلك