تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 470

مساهمون:

ص٤٧٠
« وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ . وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ . فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ »
. . إن اللّه هو الذي نصرهم ؛ ونصرهم لحكمة نص عليها في مجموعة هذه الآيات . وهم لا ناصر لهم من أنفسهم ولا من سواهم . فإذا اتقوا وخافوا فليتقوا وليخافوا اللّه ، الذي يملك النصر والهزيمة ؛ والذي يملك القوة وحده والسلطان . فلعل التقوى أن تقودهم إلى الشكر ؛ وأن تجعله شكرا وافيا لائقا بنعمة اللّه عليهم على كل حال . 124 - هذه هي اللمسة الأولى في تذكيرهم بالنصر في بدر . . ثم يستحضر مشهدها ويستحيي صورتها في حسنهم ، كأنهم اللحظة فيها :
« إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ : أَ لَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ ؟ بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ »
. . وكانت هذه كلمات رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - يوم بدر ، للقلة المسلمة التي خرجت معه ؛ والتي رأت نفير المشركين ، وهي خرجت لتلقى طائفة العير الموقرة بالمتاجر ، لا لتلقى طائفة النفير الموقرة بالسلاح ! وقد أبلغهم الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - ما بلغه يومها ربه ، لتثبيت قلوبهم وأقدامهم ، وهم بشر يحتاجون إلى العون في صورة قريبة من مشاعرهم وتصوراتهم ومألوفاتهم . . 125 - وأبلغهم كذلك شرط هذا المدد . . إنه الصبر والتقوى ؛ الصبر على تلقي صدمة الهجوم ، والتقوى التي تربط القلب باللّه في النصر والهزيمة :
« بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ »
« 1 » . . 126 - فالآن يعلمهم اللّه أن مرد الأمر كله إليه ، وأن الفاعلية كلها منه - سبحانه - وأن نزول الملائكة ليس إلا بشرى لقلوبهم ؛ لتأنس بهذا وتستبشر ، وتطمئن به وتثبت . أما النصر فمنه مباشرة ، ومتعلق بقدره وإرادته بلا واسطة ولا سبب ولا وسيلة :
« وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى لَكُمْ ، وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ ، وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ »
. . وهكذا يحرص السياق القرآني على رد الأمر كله إلى اللّه ، كيلا يعلق بتصور المسلم ما يشوب هذه القاعدة الأصيلة : قاعدة رد الأمر جملة إلى مشيئة اللّه الطليقة ، وإرادته الفاعلة ، وقدره المباشر . وتنحية الأسباب والوسائل عن أن تكون هي الفاعلة . وإنما هي أداة تحركها المشيئة . وتحقق بها ما تريده .
« وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ »
. . وقد حرص القرآن الكريم على تقرير هذه القاعدة في التصور الإسلامي ، وعلى تنقيتها من كل شائبة ، وعلى تنحية الأسباب الظاهرة والوسائل والأدوات عن أن تكون هي الفاعلة . . لتبقى الصلة المباشرة بين العبد والرب . بين قلب المؤمن وقدر اللّه . بلا حواجز ولا عوائق ولا وسائل ولا وسائط . كما هي في عالم الحقيقة . . وبمثل هذه التوجيهات المكررة في القرآن ، المؤكدة بشتى أساليب التوكيد ، استقرت هذه الحقيقة في أخلاد المسلمين ، على نحو بديع ، هادئ ، عميق ، مستنير . عرفوا أن اللّه هو الفاعل - وحده - وعرفوا كذلك أنهم مأمورون من قبل اللّه باتخاذ الوسائل والأسباب ، وبذل الجهد ، والوفاء بالتكاليف . . فاستيقنوا الحقيقة ، وأطاعوا الأمر ، في توازن شعوري وحركي عجيب !
هامش
( 1 ) فورهم هذا : أي من جهتهم هذه - مسومين : أي معلمين لهم علامة تميزهم .
في ظلال القرآن — صفحة 470 | سيد قطب