تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 410

مساهمون:

ص٤١٠
روع غير المتثبتين في الصف المسلم - ومثلهم موجود دائما في كل صف - أنه لأمر ارتد أهل الكتاب ، الخبيرون بالكتب والرسل والديانات :
« وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ : آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ »
. . وهو كيد خبيث لئيم ! ثم يكشف عن طبيعة أهل الكتاب وأخلاقهم ونظرتهم للعهود والمواثيق - على أمانة في بعضهم لا ينكرها عليهم - فأما البعض الآخر فلا أمانة له ولا عهد ولا ذمة ؛ وهم يفلسفون جشعهم وخيانتهم ويدّعون لها سندا من دينهم ، ودينهم من هذا الخلق بريء :
« وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ . وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً . ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا : لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ . وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ »
. . وفي هذا الموضع يبين طبيعة نظرة الإسلام الأخلاقية ومبعثها وارتباطها بتقوى اللّه :
« بَلى مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ وَاتَّقى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ . إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا ، أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ ، وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ، وَلا يُزَكِّيهِمْ ، وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ »
. . ويمضي يعرض نموذجا آخر من التواء أهل الكتاب وكذبهم الرخيص في أمر الدين ، ابتغاء مكاسب الأرض وهي كلها ثمن قليل :
« وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ ، لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ ، وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ . وَيَقُولُونَ : هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ . وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ . وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ »
. . ومن هذا الذي يلوون ألسنتهم فيه ما يدعونه من ألوهية للمسيح وللروح القدس . . وينفي اللّه - سبحانه - أن يكون المسيح - عليه السلام - قد جاءهم بهذا في الكتاب أو أمرهم به :
« ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ، ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ : كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ . وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ . وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً . أَ يَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ »
. . وبهذه المناسبة يذكر حقيقة الصلة بين موكب الرسل المتتابعة . . وهي عهد اللّه عليهم أن يسلم السابق منهم للاحق وينصره :
« وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ : لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ، ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ . قالَ : أَ أَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي ؟ قالُوا : أَقْرَرْنا . قالَ : فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ »
. . ومن ثم يتعين على أهل الكتاب أن يؤمنوا بالرسول الأخير وينصروه . ولكنهم لا يوفون بعهد اللّه معهم ومع رسلهم الأولين . وفي ظل هذا العهد الساري يقرر أن الذي يبتغي دينا غير دين اللّه . . الإسلام . . يخرج في الحقيقة على نظام الكون كله كما أراده اللّه :
« أَ فَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ ، وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً ؟ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ؟ »
. . فيبدو هؤلاء الذين يخرجون عن إسلام أمرهم للّه كله ، والطاعة والاتباع لمنهج اللّه في خضوع واستسلام . . يبدو هؤلاء شذاذا خارجين على نظام الوجود الكبير ! هنا يوجه الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - والمسلمين معه إلى إعلان الإيمان بدين اللّه الواحد ، ممثلا في كل ما جاء به الرسل أجمعين . وأن اللّه لا يقبل من البشر جميعا إلا هذا الدين :
« وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ ، وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ »
. . فأما الذين لا يؤمنون بهذا الدين فلا مطمع لهم في هداية اللّه . ولا في النجاة من عقابه . إلا أن يتوبوا . وأما الذين يموتون وهم كفار فلن ينفعهم أن يكونوا قد بذلوا ما بذلوا ، ولن ينجيهم أن يفتدوا بملء الأرض ذهبا !