تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 269

مساهمون:

ص٢٦٩
وهنا كانت التجربة قد غربلت جيش طالوت - إلى حد - ولكن التجارب لم تكن قد انتهت بعد :
« فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قالُوا : لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ »
. . لقد صاروا قلة . وهم يعلمون قوة عدوهم وكثرته : بقيادة جالوت . إنهم مؤمنون لم ينكصوا عن عهدهم مع نبيهم . ولكنهم هنا أمام الواقع الذي يرونه بأعينهم فيحسون أنهم أضعف من مواجهته . إنها التجربة الحاسمة . تجربة الاعتزاز بقوة أخرى أكبر من قوة الواقع المنظور . وهذه لا يصمد لها إلا من اكتمل إيمانهم ، فاتصلت باللّه قلوبهم ؛ وأصبحت لهم موازين جديدة يستمدونها من واقع إيمانهم ، غير الموازين التي يستمدها الناس من واقع حالهم ! وهنا برزت الفئة المؤمنة . الفئة القليلة المختارة . والفئة ذات الموازين الربانية :
« قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ : كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ . وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ »
. . هكذا . .
« كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً »
. . بهذا التكثير . فهذه هي القاعدة في حس الذين يوقنون أنهم ملاقو اللّه . القاعدة : أن تكون الفئة المؤمنة قليلة لأنها هي التي ترتقي الدرج الشاق حتى تنتهي إلى مرتبة الاصطفاء والاختيار . ولكنها تكون الغالبة لأنها تتصل بمصدر القوى ؛ ولأنها تمثل القوة الغالبة . قوة اللّه الغالب على أمره ، القاهر فوق عباده ، محطم الجبارين ، ومخزي الظالمين وقاهر المتكبرين . وهم يكلون هذا النصر للّه :
« بِإِذْنِ اللَّهِ »
. . ويعللونه بعلته الحقيقية :
« وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ »
. . فيدلون بهذا كله على أنهم المختارون من اللّه لمعركة الحق الفاصلة بين الحق والباطل . . ونمضي مع القصة . فإذا الفئة القليلة الواثقة بلقاء اللّه ، التي تستمد صبرها كله من اليقين بهذا اللقاء ، وتستمد قوتها كلها من إذن اللّه ، وتستمد يقينها كله من الثقة في اللّه ، وأنه مع الصابرين . . 250 - إذا هذه الفئة القليلة الواثقة الصابرة ، الثابتة ، التي لم تزلزلها كثرة العدو وقوته ، مع ضعفها وقلتها . . إذا هذه الفئة هي التي تقرر مصير المعركة . بعد أن تجدد عهدها مع اللّه ، وتتجه بقلوبها إليه ، وتطلب النصر منه وحده ، وهي تواجه الهول الرعيب :
« وَلَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالُوا : رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً ، وَثَبِّتْ أَقْدامَنا ، وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ . فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ ، وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ ، وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ ، وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ »
. . هكذا . .
« رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً »
. . وهو تعبير يصور مشهد الصبر فيضا من اللّه يفرغه عليهم فيغمرهم ، وينسكب عليهم سكينة وطمأنينة واحتمالا للهول والمشقة .
« وَثَبِّتْ أَقْدامَنا »
. . فهي في يده - سبحانه - يثبتها فلا تتزحزح ولا تتزلزل ولا تميد .
« وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ »
. . فقد وضح الموقف . . إيمان تجاه كفر . وحق إزاء باطل . ودعوة إلى اللّه لينصر أولياءه المؤمنين على أعدائه الكافرين . فلا تلجلج في الضمير ، ولا غبش في التصور ، ولا شك في سلامة القصد ووضوح الطريق . 251 - وكانت النتيجة هي التي ترقبوها واستيقنوها :
« فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ »
. . ويؤكد النص هذه الحقيقة :
« بِإِذْنِ اللَّهِ »
. . ليعلمها المؤمنون أو ليزدادوا بها علما . وليتضح التصور الكامل لحقيقة ما يجري في هذا الكون ، ولطبيعة القوة التي تجريه . . إن المؤمنين ستار القدرة ؛ يفعل اللّه بهم ما يريد ، وينفذ بهم ما يختار . . بإذنه . . ليس لهم من الأمر شيء ، ولا حول لهم ولا قوة ؛ ولكن اللّه يختارهم لتنفيذ مشيئته ، فيكون منهم ما يريده بإذنه . . وهي حقيقة خليقة بأن تملأ قلب المؤمن بالسلام والطمأنينة واليقين . . إنه عبد اللّه . اختاره اللّه