تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 239

مساهمون:

ص٢٣٩
النجاح ؛ وإذا لم تستمتع تلك الخلية الأولى بالاستقرار . فاللّه الخبير البصير ، الذي يعلم من أمر الناس ما لا يعلمون ، لم يرد أن يجعل هذه الرابطة بين الجنسين قيدا وسجنا لا سبيل إلى الفكاك منه ، مهما اختنقت فيه الأنفاس ، ونبت فيه الشوك ، وغشاه الظلام . لقد أرادها مثابة وسكنا ؛ فإذا لم تتحقق هذه الغاية - بسبب ما هو واقع من أمر الفطر والطبائع - فأولى بهما أن يتفرقا ؛ وأن يحاولا هذه المحاولة مرة أخرى . وذلك بعد استنفاد جميع الوسائل لإنقاذ هذه المؤسسة الكريمة ؛ ومع إيجاد الضمانات التشريعية والشعورية كيلا يضار زوج ولا زوجة ، ولا رضيع ولا جنين . وهذا هو النظام الرباني الذي يشرعه اللّه للإنسان . . وحين يوازن الإنسان بين أسس هذا النظام الذي يريده اللّه للبشر ، والمجتمع النظيف المتوازن الذي يرف فيه السلام ، وبين ما كان قائما وقتها في الحياة البشرية ، يجد النقلة بعيدة بعيدة . . كذلك تحتفظ هذه النقلة بمكانها السامق الرفيع حين يقاس إليها حاضر البشرية اليوم في المجتمعات الجاهلية التي تزعم أنها تقدمية في الغرب وفي الشرق سواء ، ويحس مدى الكرامة والنظافة والسلام الذي أراده اللّه للبشر ، وهو يشرع لهم هذا المنهج . وترى المرأة - بصفة خاصة - مدى رعاية اللّه لها وكرامته . . حتى لأستيقن أنه ما من امرأة سوية تدرك هذه الرعاية الظاهرة في هذا المنهج إلا وينبثق في قلبها حب اللّه « 1 » ! ! ! 221 - والآن نواجه النصوص القرآنية بالتفصيل :
« وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ ، وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ؛ وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا . وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ . أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ . وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ ؛ وَيُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ »
. . النكاح - وهو الزواج - أعمق وأقوى وأدوم رابطة تصل بين اثنين من بني الإنسان ؛ وتشمل أوسع الاستجابات التي يتبادلها فردان . فلا بد إذن من توحد القلوب ، والتقائها في عقدة لا تحل . ولكي تتوحد القلوب يجب أن يتوحد ما تنعقد عليه ، وما تتجه إليه . والعقيدة الدينية هي أعمق وأشمل ما يعمر النفوس ، ويؤثر فيها ، ويكيف مشاعرها ، ويحدد تأثراتها واستجاباتها ، ويعين طريقها في الحياة كلها . وإن كان الكثيرون يخدعهم أحيانا كمون العقيدة أو ركودها . فيتوهمون أنها شعور عارض يمكن الاستغناء عنه ببعض الفلسفات الفكرية ، أو بعض المذاهب الاجتماعية . وهذا وهم وقلة خبرة بحقيقة النفس الإنسانية ، ومقوماتها الحقيقية . وتجاهل لواقع هذه النفس وطبيعتها . ولقد كانت النشأة الأولى للجماعة المسلمة في مكة لا تسمح في أول الأمر بالانفصال الاجتماعي الكامل الحاسم ، كالانفصال الشعوري الاعتقادي الذي تم في نفوس المسلمين . لأن الأوضاع الاجتماعية تحتاج إلى زمن وإلى تنظيمات متريثة . فلما أن أراد اللّه للجماعة المسلمة أن تستقل في المدينة ، وتتميز شخصيتها الاجتماعية كما تميزت شخصيتها الاعتقادية . بدأ التنظيم الجديد يأخذ طريقه ، ونزلت هذه الآية . نزلت تحرم إنشاء
هامش
( 1 ) يراجع بتوسع : فصل « المساواة الإنسانية » في كتاب « العدالة الاجتماعية » للمؤلف . وفصل : « المشكلة الجنسية » في كتاب : « الإنسان بين المادية والإسلام » . وفصل : « الإسلام والمرأة » في كتاب : « شبهات حول الإسلام » لمحمد قطب . . كما تراجع في الظلال سور : النساء . والأحزاب والطلاق بصفة خاصة . ( دار الشروق )