تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 235

مساهمون:

ص٢٣٥
جميعا :
« يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ، وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها ، وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً . وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ . إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً »
. .
« يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا »
. . ثم تكشف عن جاذبية الفطرة بين الجنسين ، لا لتجمع بين مطلق الذكران ومطلق الإناث ، ولكن لتتجه إلى إقامة الأسر والبيوت :
« وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً »
.
« هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ »
. .
« نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ . وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ »
. .
« وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً »
. . فهي الفطرة تعمل ، وهي الأسرة تلبي هذه الفطرة . العميقة في أصل الكون وفي بنية الإنسان . ومن ثم كان نظام الأسرة في الإسلام هو النظام الطبيعي الفطري المنبثق من أصل التكوين الإنساني . بل من أصل تكوين الأشياء كلها في الكون . على طريقة الإسلام في ربط النظام الذي يقيمه للإنسان بالنظام الذي أقامه اللّه للكون كله . ومن بينه هذا الإنسان . . والأسرة هي المحضن الطبيعي الذي يتولى حماية الفراخ الناشئة ورعايتها ؛ وتنمية أجسادها وعقولها وأرواحها ؛ وفي ظله تتلقى مشاعر الحب والرحمة والتكافل ، وتنطبع بالطابع الذي يلازمها مدى الحياة ؛ وعلى هدية ونوره تتفتح للحياة ، وتفسر الحياة ، وتتعامل مع الحياة . والطفل الإنساني هو أطول الأحياء طفولة . تمتد طفولته أكثر من أي طفل آخر للأحياء الأخرى . ذلك أن مرحلة الطفولة هي فترة إعداد وتهيؤ وتدريب للدور المطلوب من كل حي باقي حياته . ولما كانت وظيفة الإنسان هي أكبر وظيفة ، ودوره في الأرض هو أضخم دور . . امتدت طفولته فترة أطول ، ليحسن إعداده وتدريبه للمستقبل . . ومن ثم كانت حاجته لملازمة أبويه أشد من حاجة أي طفل لحيوان آخر . وكانت الأسرة المستقرة الهادئة ألزم للنظام الإنساني ، وألصق بفطرة الإنسان وتكوينه ودوره في هذه الحياة . وقد أثبتت التجارب العملية أن أي جهاز آخر غير جهاز الأسرة لا يعوض عنها ، ولا يقوم مقامها ، بل لا يخلو من أضرار مفسدة لتكوين الطفل وتربيته ، وبخاصة نظام المحاضن الجماعية التي أرادت بعض المذاهب المصطنعة المتعسفة أن تستعيض بها عن نظام الأسرة في ثورتها الجامحة الشاردة المتعسفة ضد النظام الفطري الصالح القويم الذي جعله اللّه للإنسان . أو التي اضطرت بعض الدول الأوربية اضطرارا لإقامتها بسبب فقدان عدد كبير من الأطفال لأهليهم في الحرب الوحشية المتبربرة التي تخوضها الجاهلية الغربية المنطلقة من قيود التصور الديني ، والتي لا تفرق بين المسالمين والمحاربين في هذه الأيام « 1 » ! أو التي اضطروا إليها بسبب النظام المشئوم الذي يضطر الأمهات إلى العمل ، تحت تأثير التصورات الجاهلية الشائهة للنظام الاجتماعي والاقتصادي المناسب للإنسان . هذه اللعنة التي تحرم الأطفال حنان الأمهات ورعايتهن في ظل الأسرة ، لتقذف بهؤلاء المساكين إلى المحاضن ، التي يصطدم نظامها بفطرة الطفل وتكوينه النفسي ، فيملأ نفسه بالعقد والاضطرابات . . وأعجب العجب أن انحراف التصورات الجاهلية ينتهي بناس من المعاصرين إلى أن يعتبروا نظام العمل للمرأة تقدما وتحررا وانطلاقا من الرجعية ! وهو هو هذا النظام الملعون ، الذي يضحي بالصحة النفسية لأغلى ذخيرة على
هامش
( 1 ) يراجع كتاب أطفال بلا أسر . تأليف أنا فرويد . وترجمة الأستاذين بدران ، ويسي .