قد كتب لك بكل إنسان منهم كذا وكذا من الأجر » . . ( أخرجه أبو داود ) وعن بريدة قال : كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم - إذا أمر الأمير على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى اللّه تعالى ، وبمن معه من المسلمين خيرا . ثم قال له : « اغزوا باسم اللّه ، في سبيل اللّه ، قاتلوا من كفر باللّه . اغزوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا » . . ( أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي ) .
وروى مالك عن أبي بكر الصديق - رضي اللّه عنه - أنه قال في وصيته لجنده : « ستجدون قوما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم للّه ، فدعوهم وما حبسوا أنفسهم له ، ولا تقتلن امرأة ولا صبيا ولا كبيرا هرما » . .
فهذه هي الحرب التي يخوضها الإسلام ؛ وهذه هي آدابه فيها ؛ وهذه هي أهدافه منها . . وهي تنبثق من ذلك التوجيه القرآني الجليل :
« وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ ، وَلا تَعْتَدُوا ، إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ »
. .
وقد كان المسلمون يعلمون أنهم لا ينصرون بعددهم - فعددهم قليل - ولا ينصرون بعدتهم وعتادهم - فما معهم منه أقل مما مع أعدائهم - إنما هم ينصرون بإيمانهم وطاعتهم وعون اللّه لهم . فإذا هم تخلوا عن توجيه اللّه لهم وتوجيه رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فقد تخلوا عن سبب النصر الوحيد الذي يرتكنون إليه . ومن ثم كانت تلك الآداب مرعية حتى مع أعدائهم الذين فتنوهم ومثلوا ببعضهم أشنع التمثيل . . ولما فار الغضب برسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فأمر بحرق فلان وفلان ( رجلين من قريش ) عاد فنهى عن حرقهما ، لأنه لا يحرق بالنار إلا اللّه .
191 - ثم يمعن السياق في توكيد القتال لهؤلاء الذين قاتلوا المسلمين وفتنوهم في دينهم ، وأخرجوهم من ديارهم ، والمضي في القتال حتى يقتلوهم على أية حالة ، وفي أي مكان وجدوهم . باستثناء المسجد الحرام . إلا أن يبدأ الكفار فيه بالقتال . وإلا أن يدخلوا في دين اللّه فتكف أيدي المسلمين عنهم ، مهما كانوا قد آذوهم من قبل وقاتلوهم وفتنوهم :
« وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ، وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ - وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ . وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ . فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ . كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ . فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ »
. .
إن الفتنة عن الدين اعتداء على أقدس ما في الحياة الإنسانية . ومن ثم فهي أشد من القتل . أشد من قتل النفس وإزهاق الروح وإعدام الحياة . ويستوي أن تكون هذه الفتنة بالتهديد والأذى الفعلي ، أو بإقامة أوضاع فاسدة من شأنها أن تضل الناس وتفسدهم وتبعدهم عن منهج اللّه ، وتزين لهم الكفر به أو الإعراض عنه . وأقرب الأمثلة على هذا هو النظام الشيوعي الذي يحرم تعليم الدين ويبيح تعليم الإلحاد ، ويسن تشريعات تبيح المحرمات كالزنا والخمر ، ويحسنها للناس بوسائل التوجيه ؛ بينما يقبح لهم اتباع الفضائل المشروعة في منهج اللّه . ويجعل من هذه الأوضاع فروضا حتمية لا يملك الناس التفلت منها .
وهذه النظرة الإسلامية لحرية العقيدة ، وإعطاؤها هذه القيمة الكبرى في حياة البشرية . . هي التي تتفق مع طبيعة الإسلام ، ونظرته إلى غاية الوجود الإنساني . فغاية الوجود الإنساني هي العبادة ( ويدخل في نطاقها كل نشاط خير يتجه به صاحبه إلى اللّه ) . وأكرم ما في الإنسان حرية الاعتقاد . فالذي يسلبه هذه الحرية ، ويفتنه عن دينه فتنة مباشرة أو بالواسطة ، يجني عليه ما لا يجني عليه قاتل حياته . ومن ثم يدفعه بالقتل . .
لذلك لم يقل : وقاتلوهم . إنما قال :
« وَاقْتُلُوهُمْ »
. .
« وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ »
. . أي حيث وجدتموهم .