تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بيان السعادة في مقامات العبادة — صفحة 282

مساهمون:

ص٢٨٢
واقفين في هذا السّفر حائرين لا يمكنهم الرّجوع ولا الوقوف على مقامهم الحيوانىّ ، لما أيقنوا من انّ ذلك المقام من مقامات الجحيم ولما رأوا لأنفسهم فيه من العذاب الأليم ولا يمكنهم التّجاوز والسّير إلى ما فوقه لكثرة المتاعب وضعف يقينهم وقلّة التذاذهم بالمقامات الانسانيّة وضعف نفوسهم عن التحمّل وقوّة قويهم في طلب مقتضياتها ، والعابدون إشارة إلى مقاماتهم الحقّيّة الخلقيّة ، لانّ العبوديّة هي السّير في المقامات الانسانيّة وعلى المراحل الرّوحانيّة إلى الانتهاء إلى حضرة الأسماء والصّفات ، وهو السّفر الثّانى من الاسفار الأربعة اى السّفر من الحقّ إلى الحقّ ، و
الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ
إشارة إلى مقاماتهم الحقّيّة اى السّير في حضرة الأسماء والتّمكّن في التّحقّق بحقائق الصّفات الالهيّة ، وهو السّفر الثّالث اى السّفر بالحقّ في الحقّ ، و
الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحافِظُونَ
لِحُدُودِ اللَّهِ
إشارة إلى مقاماتهم الالهيّة ومراتبهم الرّبوبيّة اى السّير في المظاهر الالهيّة متّصفين بصفات الرّبوبيّة مبدّلين للخلقيّة بالحقّيّة ناظرين إلى المظاهر إلى كلّ في مرتبته معطين لكلّ ذي حقّ حقّه ، وهو آخر الاسفار الأربعة يعنى السّفر بالحقّ في الخلق . وبيان هذه الاسفار ومقاماتها وما يرد فيها وما يشاهد منها من الآيات ممّا يضيق عنه بيان البشر ولا يسعه هذا المختصر ، وإجمال القول فيها : انّ الإنسان في زمان الصّبا إلى أوان البلوغ حيوان كالخراطين والدّيدان أو كالبهائم والسّباع لا يدرى من الخيرات الّا ما اقتضته القوى الحيوانيّة ولا من الشّرور الّا ما تستضرّ به ، وبعد بلوغ الاشدّ وظهور اللّطيفة الانسانيّة وتميز الخيرات والشّرور العقليّة الانسانيّة ، امّا يقف على الحيوانيّة باقيا فيه شيء من الانسانيّة ، أو يهوى عن الحيوانيّة إلى أسفل السّافلين مهلكا للطّيفة الانسانيّة ، أو ينزجر عن الحيوانيّة ويرغب في الخيرات الانسانيّة متدرّجا فيه إلى أن يطلب من يبيّن له طريق جلب خيراته ودفع شروره الانسانيّة ، لانّه خارج عن ادراك مداركه الحيوانيّة غير مدرك بمداركه العقليّة لضعفها ، وذلك التّدرّج في الانزجار وان كان توبة وإنابة لغة لكنّه لا يسمّى عند أهل اللّه توبة ولا إنابة ، لانّ التّوبة والإنابة عندهم اسم للرّجوع عن الحيوانيّة إلى الانسانيّة الالهيّة ولخفاء طريقها كثيرا ما يقع الرّاجع عن الحيوانيّة إلى حيوانيّة أو شيطانيّة بتدليس الشّيطان وظنّه انّها خيرات انسانيّة فيقع فيما فرّ منه ، فما لم يظهر صحّة رجوعه عن الحيوانيّة إلى الانسانيّة لم يطلق عليه اسم التّوبة وصحّة الرّجوع عن الحيوانيّة إلى الانسانيّة لا تظهر الّا بقبوله من اللّه ، وقبوله من اللّه لا يظهر الّا بقبول خلفاءه وهم المظاهر الانسانيّة والكاملون الفارقون ببصيرتهم بينها وبين الحيوانيّة ، فإذا وصل إلى نبىّ أو ولىّ وتاب هو عليه وهي توبة اللّه عليه واستغفر له في البيعة العامّة النّبويّة وقبول الدّعوة الظّاهرة صدق على رجوعه التّوبة والإنابة بجهتيه وصار تائبا ، وبتلك التّوبة لا يحصل له الّا خيراته القالبيّة المؤدّية إلى خيراته الانسانيّة ولا يلتذّ بها بل لا يرى فيها الّا التّعب والكلفة ولا يسكن حرارة طلبه للخيرات الانسانيّة ولا يتمّ توبته ، فإذا طلب ووجد وتاب بالتّوبة الخاصّة في البيعة الخاصّة الولويّة وقبول الدّعوة الباطنة ودخول الايمان في القلب وهناك يتمّ صورة توبته فقد يلتذّ بانمودج خيراته الانسانيّة ، لكنّه ما لم يخرج من ملكه ولم يلج ملكوت السّماوات ولم يشاهد ملكوت شيخة كان تائبا ولم يخلص له اللّذّات الانسانيّة وكان بعد في تعب وكلفة وضيق لا يرضى بحال من أحواله ويتقلّب في الأحوال ، حتّى يشاهد ملكوت الشّيخ ويسكن الشّيخ في ارض صدره ويتمكّن له دينه الّذى ارتضاه له وحينئذ يتمّ سيره من الخلق إلى الحقّ ، فانّ ملكوت الشّيخ هي الحقّ بحقّيّة الحقّ الاوّل ويصير حينئذ سالكا إلى اللّه ، لانّه كان قبل ذلك سالكا إلى الطّريق ويصير عبدا خارجا من رقّيّة نفسه داخلا في رقّيّة اللّه ويصير فعله أيضا فعل العبد حيث تمكّن الشّيخ في وجوده وصار بالنّسبة إلى شيخة كالملائكة بالنّسبة إلى الحقّ