بالرجل منهم فيخيره ، فمن جزع من النار وخاف العذاب ورجع عن دينه ورضى اليهودية تركه ، ومن استمسك بدينه ولم يبال بالعذاب الدنيوي لثقته بأن اللّه يجزيه أحسن الجزاء - ألقاه في النار وكان حولها يشرف على هلاكه .
ثم بيّن من هم أصحاب الأخدود فقال :
( النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ )
أي إن أصحاب الأخدود هم أصحاب النار التي لها من الحطب الكثير ما يشتد به لهيبها ، لا جرم يكون حريقها عظيما ، ولهيبها متطايرا .
( إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ )
أي قتلوا ولعنوا حين أحرقوا المؤمنين بالنار وهم قاعدون حولها يشرفون عليهم وهم يعذبون بها ، ويحرقون فيها كما أشار إلى ذلك بقوله :
( وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ )
أي إن أولئك الجبابرة الذين أمروا بإحراق المؤمنين كانوا حضورا عند تعذيبهم ، يشاهدون ما يفعله بهم من أتباعهم .
وفي هذا إيماء إلى قسوة قلوبهم ، وتمكن الكفر منهم ، إلى ما فيه من إشارة إلى قوة اصطبار المؤمنين وشدة جلدهم ، ورباطة جأشهم ، واستمساكهم بدينهم .
وقد يكون المعنى - يشهد بعضهم لبعض عند الملك أنه لم يقصر في التنكيل بالمؤمنين .
( وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ )
أي إن هؤلاء الكفار لم يعاقبوا المؤمنين إلا على شئ لا يجوز العقاب عليه ، بل ينبغي لكل أحد أن يكون عليه ، ويدعو غيره إلى التمسك به ، وهو الإيمان باللّه تعالى العزيز الغالب الذي يخشى عقابه ، وتهاب صولته ، المنعم الذي يرجى ثوابه ، وترتقب نعماؤه .
ثم أكد استحقاقه للعزة والحمد بقوله :
( الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ )
أي لأنه مالك الأمر كله فيهما ، فلا مفرّ لأولئك الظالمين من سلطانه ، وأن ما يلاقيه المؤمنون ليس إلا امتحانا وابتلاء مما يمحض اللّه به أهل طاعته ، ليبلوهم أيهم أحسن عملا .