تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 147

مساهمون:

ص١٤٧
( وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ )
أي إنه زيّن لهم سوء أعمالهم ، وأعجبوا بأنفسهم ، واستكبروا عن اتباع الرسول ، وشمخوا بأنوفهم ، ولم يخضعوا لما جاءهم به ، وصدّوا أبواب النظر عما ينفعهم ، ولم يقبلوا شيئا سوى ما هم عليه ؛ فما مثلهم إلا مثل من أحاط به سدّان من الأمام والخلف فحجباه عن النظر فهو لا يبصر شيئا . والخلاصة - إنهم محبوسون في سجن الجهالة ، ممنوعون عن النظر في دلائل الأنفس ودلائل الكون ، محرومون عن التأمل فيما حل بمن قبلهم من الأمم الخالية ، والتفكر في العواقب المستقبلة . ثم ذكر فذلكة لما تقدم فقال :
( وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ )
أي وسواء على هؤلاء الذين حق عليهم القول ، إنذارك إياهم وتركه ، فإنه قد طبع اللّه على قلوبهم فهم لا يؤمنون ، إذ قد خبثت نفوسهم ، وساء استعدادهم ، وغشّيت أبصارهم فلا تقدر على النظر في الدلائل المشاهدة ، ولا تستطيع التأمل في جمال الكون .
قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد * وينكر الفمّ طعم الماء من سقم
ثم أعقب ذلك بيان من يتأثر بالإنذار فقال :
( إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ )
أي إنما ينفع إنذارك من آمن بالقرآن ، واتبع ما فيه من الأحكام ، وخشي عقاب اللّه قبل حلوله ومعاينة أهواله ، فإنه سبحانه عظيم الرحمة ، أليم العذاب كما قال :
« نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ . وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ »
. فبشّر هذا الذي اتبع أحكام الدين ، وخاف العقاب بمغفرة ما فرط منه من الزلات ، وأجر كريم ، ونعيم مقيم ، لا يستطاع وصفه مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر .
تفسير المراغي — صفحة 147 | أحمد مصطفى المراغي