وقد وصف نوح نفسه بأمرين :
( 1 )
( إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ )
أي إني رسول من اللّه إليكم ، أمين فيما بعثني به ، أبلغكم رسالاته ، لا أزيد فيها ، ولا أنقص منها .
( فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ )
أي خافوا عقاب اللّه وأطيعونى فيما آمركم به من التوحيد ، وقدّم الأمر بتقوى اللّه على الأمر بطاعته ؛ لأن التقوى هي ملاك الأمر كله في هذه الحياة وكرر الأمر بها لأنها العمدة في جميع الأعمال ، فيجب على العامل ملاحظتها إذا أراد الإحسان وتجويد العمل .
( 2 )
( وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ )
أي لا أطلب منكم جزاء على نصحى لكم ، بل أطلب ثواب ذلك من عند اللّه .
( فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ )
فقد وضح الأمر لكم ، وبان نصحى وأمانتي فيما بعثني اللّه به وائتمنى عليه ، وسبب التكرير ما علمته من قبل ، ونظير هذا ما يقول الوالد لولده :
ألا تتقى اللّه في عقوقى وقد ربيتك صغيرا ؟ ألا تتقى اللّه في عقوقى وقد علمتك كبيرا ؟ .
وبعد أن أقام الدليل على صدق رسالته وعظيم نصحه وأمانته لهم أرادوا أن يتنصلوا من اتباع دعوته بحجة هي أوهى من بيت العنكبوت .
( قالُوا أَ نُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ ؟ )
أي قالوا كيف نتبعك ونصدّقك ونؤمن بك ونأتسى بهؤلاء الأراذل الذين اتبعوك ؟ ومرادهم أن هذا لن يكون أبدا وهذه شبهة لا ينبغي لعاقل أن يركن إليها ، لأن نوحا عليه السلام بعث إلى الخلق كافة ، لا بارق بين غنى وفقير ، وصعلوك وأمير ، ولا بين ذوى البيوتات والحسب ، وذوى الوضاعة والخسة في النسب ، فليس له إلا اعتبار الظواهر ، دون التفتيش والبحث عن البواطن ، ومن ثم أجابهم :
( قالَ وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ؟ )
أي وأىّ شئ يعلمني ما كان يعمل أتباعى ؟
إنما لي منهم ظاهر أمرهم دون باطنه ، فمن أظهر الحسن ظننت به حسنا ، ومن أظهر